تدمير المؤسسات التربوية وسلبها

داود كتّاب*

كان أحمد أبو عرّة ونعمان اسماعيل متوتران في الثاني من شهر نيسان 2002. فقد كانا الفلسطينيين الوحيدين اللذين بقيا في مبنى المهن الطبية المكون من خمسة طوابق التابع لجامعة القدس في رام الله. وكانا يقومان ببث برامج "تلفزيون القدس التربوي" القائم في الطابق العلوي من المبنى. قلقا لأن الجنود الإسرائيليين كانوا يقتربون من المبنى كجزء من اجتياحهم للمدينة الفلسطينية بعد عملية تفجير انتحارية فلسطينية. وعندما شاهدا الجنود الغزاة يقبضون على حارس العمارة الأعزل من السلاح، أوقف الفلسطينيان البث. ففي اليوم السابق، عندما احتل جنود إسرائيليون محطة تلفزيون محلية أخرى، تلفزيون الوطن، بثوا عصراً مواد جنسية إباحية إلى الجمهور العام. قلق الرجلان من حصول الأمر نفسه لمحطة تلفزيونهم التربوي ومن احتمال عدم معرفة الجمهور بمن يقوم بالبث. بعد بضع دقائق، كان أحمد ونعمان يركعان في الطابق السفلي على ركبيهما، معصوبا العينين، بعد أن احتل الجنود المبنى. وبعد بضع ساعات أُمرا بالذهاب إلى بيتهما، بعد أن شغلت وحدة من الجيش الإسرائيلي البناية بكاملها.

وللأيام التسعة عشرة اللاحقة، أصبحت مبنى الجامعة ومجمعها مركز قيادياً عسكرياً إسرائيلياً لأغراض متنوعة. استُخدم الكراج لتحزين دبابات، وأصبحت مكاتب الأساتذة مكاتب للقادة العسكريين، أما كافتيريا الطابق السفلي الفسيحة فقد حولت إلى معتقل مؤقت. ردّ الجنود على المكالمات الهاتفية التي كانت تصل المبنى، وبدا أنهم تمتعوا أيضاً باستعمال الانترنت الجامعية، كما اكتشف موظفون ذلك عندما أدركوا أن كمبيوترات مكاتبهم قد استخدمت من قبل الجنود. وفشلت جميع محاولات مسؤولي الجامعة المتكررة للدخول لتفقد البناية والأجهزة التلفزيونية واسترداد بعض الممتلكات الشخصية. طمأن مسؤولون إسرائيليون كبارٌ الفلسطينيين بأن احتلال البناية ليس إلا لأسباب لوجستية، وأن جميع الأجهزة ستكون محمية.

وعندما أعلنت تقارير أن القوات الإسرائيلة ستنسحب، طلب مسؤولون من الجامعة أن يُعلموا بموعد مغادرة الجنود المبنى كي يستلموه ويتأكدوا من أن أية عمليات تدمير أو سرقة لم تقع. رغم ذلك، لم يبلغ الإسرائيليون الجامعة بالموعد، وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح الحادي والعشرين من شهر نيسان، بعد ساعتين من مغادرة آخر جندي إسرائيلي، دخل موظفون من محطة التلفزيون المبنى. كانت ناهد عوض، وهي اختصاصية فنية، أول من دخل. أحضرت معها كاميرا رقمية وسجلت بعناية ما اكتُشف. سجلت كاميرتها تدميراً واسعاً شمل شاشات اخترقها الرصاص، وتبين أن كمبيوترات ومستقبلات ستالايت وكاميرات ستوديو قد فقدت. أما أيمن البردويل، مدير تلفزيون القدس التربوي، فبعد أن استطلع الضرر الواقع ووثقه، وصفه بأنه شامل. قال "فقدنا إلى الأبد الستوديو كله وكاميرات التصوير الخارجي والفيديوهات، وبيانات وفيديوهات أرشيفية لا يمكن تعويضها". واختفت المبالغ المخصصة للمصاريف النثرية. ودمرت سيارات الموظفين التي كانت واقفة في الكراج بشكل كبير. قدّر وسيم عبد الله، المدير الفني للمعهد، أن الخسائر بلغت أكثر من 000، 200 دولار أمريكي.

وأيضاً، قام الجنود الذين احتلوا المبنى في الثاني من شهر نيسان بتلطيخ جدرانها بشعارات مفعمة بالكره. من بين هذه الشعارات: "الموت للعرب"، "الموت لعرفات"، "كُل واشرب ودمّر". ورُسمت جماجم وعظام في جميع أنحاء المبنى، وعلى إحدى شاشات الكمبيوتر المكسورة، خربشت الجملة التالية بالعبرية "ثمن الإرهاب". وفي قائمة مفصلة نسي الجنود المغادرون أخذها معهم، سُجلت جميع أسماء وحدة الجيش التي تمركزت في المبنى. كانت الوحدة التي احتلت البناية وحدة الهندسة.

لم يكن تدمير محطة تلفزيون القدس التربوي ونهبها حدثاً منعزلاً. فقد نهب أيضاً سوبرماركت في المنطقة، وشهدت مراكز حكومية ومحلات تجارية خاصة ووسائل إعلامية أخرى في المدينة تدميراً مماثلاً أيضاً. ففي محطة تلفزيون نصر وراديو المنارة استخدمت بلطات تاركة دماراً واسعاً في الأجهزة والأشرطة.

في جميع هذه الحالات، لم توجه أية اتهامات لمنظمات خاصة أو أفراد. ورغم التغطية الإعلامية للتدمير والسلب التي تبعت الانسحاب الإسرائيلي، لم يقدم أي اعتذار إسرائيلي إلى تلفزيون القدس التربوي أو إلى أية منظمات خاصة أخرى، ناهيك عن دفع أية تعويضات له أو لها. هذا وقد أعيدت نقود سرقت من سوبرماركت إلى أصحابه. ويبدو أن الجنود الإسرائيليين الغاضببين لوفاة إسرائيليين مدنيين على يد الفلسطينيين يشعرون بأن ذلك يبرر لهم ما قاموا به من تدمير.

يدرج القانون الإنساني الدولي السلب في قائمة جرائم الحرب. فالمادة الثالثة والثلاثون من اتفاقية جينيف الرابعة تنص بوضوح على أن "السلب محظور". وترفض المادة عقلنة عمليات الاقتصاص بالقول "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً"، و"تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب"، و"تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم".


* داود كُتّاب مدير قسم وسائل الإعلام الحديثة، جامعة القدس، القدس. فاز سنة 1997 بجائزة لجنة حماية حرية الصحفيين الصحفية الدولية.





This site © Crimes of War Project 1999-2003