العقوبة الجماعية

داود كُتّاب*

لأربعة عشر عاماً، عمل الحجّار جورج قمصيه ليبني بيتاً حجرياً من ثلاثة طوابق في بلدة بيت ساحور الواقعة في الضفة الغربية. وفي شهر شباط 1981، انتقل وعائلته- زوجته وبناته الأربع وأولاده الثلاثة- إلى بيتهم الجديد. وبعد تسعة أشهر، وصل الجنود الإسرائيليون إلى البيت ليعتقلوا الابن الأصغر، وليد، البالغ من العمر خمسة عشر عاماً. اتهم الجيش وليداً بإلقاء حجارة على عربة عسكرية إسرائيلية قبل أربعة أيام، كانت نتيجته كسر نافذة جانبية. ولم يُروَ أن أي جندي جرح أثناء الحادث.

وفي اليوم التالي، وقبل أن يكمل الشن بت (جهاز الأمن العام) تحقيقه مع وليد، وصل المزيد من القوات إلى بيت قمصيه. كان إرئيل شارون المعين حديثاً وزيراً للدفاع عن حزب الليكود قد تعهد بتنفيذ سياسة "القبضة الفولاذية" ضد الفلسطينيين. وضع أعضاء من لواء الهندسة الإسرائيلي المتفجرات ونسفوا منزل قمصيه الحجري. وبعد أشهر، حكم على وليد بالسجن لسبعة أعوام بناء على اعتراف أصدقائه.

طبقاً لاتفاقيات جينيف لسنة 1949، تعتبر العقوبات الجماعية جريمة حرب. فالمادة 33 من اتفاقية جينيف الرابعة تنص: "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياًً،" و"تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب". ورغم ذلك، لا تقبل إسرائيل انطباق اتفاقية جينيف الرابعة والبروتوكولان الملحقان بها على الضفة الغربية قانونياً، ولكنها تقول إنها تلتزم بالأحكام الإنسانية دون تحديد ما هي هذه الأحكام الإنسانية.

كان في ذهن من صاغوا اتفاقيات جينيف، وهم يتحدثون عن العقوبات الجماعية، عمليات القتل الانتقامي التي وقعت في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ففي الحرب العالمية الأولى، أعدم الألمان القرويين البلجيك جزاءً جماعياً لقيامهم بأعمال مقاومة. وفي الحرب العالمية الثانية، نفذ النازيون شكلاً من العقوبة الجماعية لقمع المقاومة. فقد حُمِّلت قرى وبلدات ومقاطعات بأكملها مسؤولية أي نشاط مقاوم يقع في مناطقها. ينص تفسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي على أن الأطراف المشاركة في نزاع ما كثيراً ما تلجأ إلى "إجراءات التهديد ليرهبوا السكان" أملاً في منع أعمال معادية، إلا إن مثل هذه الممارسات

"تصيب المذنبين والأبرياء دون تمييز. إن مثل هذه الإجراءات مناقضة لكل مبادئ الإنسانية والعدالة".
ويفرض قانون النزاع المسلح حماية شبيهة في حالات النزاع الداخلي. فالمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جينيف الأربع لسنة 1949 تطالب بمحاكمات عادلة لجميع الأفراد قبل معاقبتهم؛ ويمنع البروتوكول الإضافي الثاني الصادر سنة 1977 العقوبة الجماعية بصراحة.

ويختلف احتلال إسرائيل للضفة الغربية تقريباً عن أي احتلال في أي مكان آخر لأنه استمر لأكثر من جيل. وقد أصبح تدمير المنازل الفلسطينية حدثاً اعتيادياً في المناطق المحتلة. وكثيراً ما تأتي أعمال الجيش هذه بعد وقوع انفجار موجه ضد المدنيين الإسرائيليين. ففي الثلاثين من شهر تموز سنة 1997، انفجرت قنبلة في القدس الغربية، فنجم عن الانفجار مقتل خمسة عشر شخصاً بمن فيهم الانتحاريين، وإصابة 170 شخصاً بجراح. وقد رد الجيش بعقاب عائلات المشتبه بأنهم قاموا بالانفجار وبالمثل القرية التي جاءوا منها. دمرت منازل أربع عائلات تدميراً كاملاً، كما هدمت ثمانية منازل في القدس الشرقية. ولشهر، منع الجنود الإسرائيليون أي شخص تقريباً من دخول الضفة الغربية أو الخروج منها.

رسمياً، دمر الجيش المنازل لأنها بنيت بشكل غير شرعي. ورغم ذلك، قال مسؤول في الجيش الإسرائيلي، لم يكشف النقاب عن اسمه، بأن عمليات الهدم قصد منها توجيه تحذير إلى السلطات الفلسطينية بأنها لن تستطيع "مواصلة الحياة العادية إلا إذا اتخذت إجراءات لمكافحة الإرهاب".
وليست إجراءات أمنية أخرى يقوم بها الجيش الإسرائيلي بأقل خلافية لكنها أكثر غموضاً مقارنة بالقانون الدولي.

خذ، على سبيل المثال، القيود المفروضة على السفر. قرر عيسى، من مدينة بيت لحم، وخطيبته فريدة، من القدس، الزواج في الثالث عشر من شهر أيلول سنة 1997، في كنيسة مار إلياس المسيحية الواقعة جنوبي القدس. بعد انفجار تموز، أعلن الجيش الإسرائيلي إغلاقاً محكماً للأراضي الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وطبقاً لهذا الإجراء، لا يستطيع فلسطيني من بيت لحم الحصول على إذن بالسفر إلى القدس؛ وبعد أن قرر العروسان نقل العرس إلى بيت لحم، لم تستطع فريدة الحصول على إذن لدخول المنطقة الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

وبعد ثلاث محاولات مجهظة لعبور الحواجز الإسرائيلية، التف العريس الذي ارتدى حلة عرسه الزاهية على القيود، فتسلق الجدران ، وسار لساعات في طرق ترابية ليتمكن من القيام بمراسم العرس. مكث معظم الضيوف في بيوتهم. هذا وقد بدأت معظم القيود على الفلسطينيين بعد ضم إسرائيل للضفة الغربية في حرب سنة 1967، لكنه تم بعامة تجاهلها إلى أن وقعت حرب الخليج. ففي شهر آذار 1993، وبعد سلسلة من عمليات الطعن في إسرائيل، أقامت الحكومة حواجز دائمة بين إسرائيل وبقية الضفة الغربية، وبدأت روتينياً بإغلاق المناطق المحتلة. وقد أعاق الإغلاق حركة الفلسطينيين والبضائع من وإلى الأراضي المحتلة، ما عدا أولئك الذين يحملون تصاريح صالحة. ومنذ ذاك الوقت، فرضت إسرائيل مراراً وتكراراً "إغلاقاً كلياً"، مانعة الفلسطينيين من الوصول إلى المستشفيات والمدارس والمعاهد التعليمية والبعثات الدبلوماسية وأماكن العبادة في القدس. ويمكن للقيود على السفر، إذا اعتبرت عقوبة من قبل أولئك الذين يعانون منها، أن تكون، رغم أنها ليست بالضرورة كذلك، عقوبة جماعية؛ فقد تكون إجراءات أمنية تتخذ رداً على خرق قانوني للأمن. ويحاجج بعض المؤيدين بأن القيود شبه الدائمة تقترب من العقوبة الجماعية.


* داود كُتّاب مدير قسم وسائل الإعلام الحديثة، جامعة القدس، القدس، فاز سنة 1997 بجائزة لجنة حماية حرية الصحفيين الصحفية الدولية.





This site © Crimes of War Project 1999-2003