المسؤولية
القيادية
نومي بار ياكوف*
في شهر كانون ثاني 1988، بالكاد
بعد شهر من الانتفاضة ضد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة،
أمر الكولونيل يهودا مائير قوات تعمل تحت إمرته بجمع خمسة وعشرين
رجلاً فلسطينياً من قريتي حوّارة وبيتا في الضفة الغربية، وتقييد
أيديهم وعصب أعينهم وكسر عظمهم. نقل قائد الوحدة الذي يعمل تحت
إمرة مائير الأمر إلى قواته، ولكنه أخبرهم أنه لا يشترط عليهم
الالتزام. أحجم بعض الجنود عن تنفيذ الأمر، إلا إن آخرين نفذوه
بحماسة إلى حد كُسرت معه عصيهم. هذا وقد كان وزير الدفاع آنذاك،
اسحق رابين، قد تكلم علناً عن ضرورة "تكسير عظام مشاغبي الانتفاضة".
ورغم أن مائير لم يكن حاضراً وقت وقوع الحادثة، إلا إنه كان أعلى
ضابط آمر في المنطقة.
مرت بضعة شهور قبل أن تبدأ الشرطة العسكرية، بطلب من اللجنة الدولية
للصليب الأحمر، التحقيق في الحادثة. استدعى رئيس أركان الجيش مائير
وعرض عليه خيارين: فإما أن يظهر أمام محكمة عسكرية تأديبية فيؤنب
تأنيباً قاسياً ويطرد من الجيش، أو يواجه محاكمة عسكرية. قبل مائير
الخيار الأول الذي فرض عليه الذهاب للعمل في جهاز أمن الدولة إلى
أن يستطيع التقاعد والحصول على معاش تقاعده ككولونيل. وعندما كشفت
هذه الصفقة التي تمت في الكواليس، قدمت جمعية الحقوق المدنية في
إسرائيل عريضة إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلة، مطالبة تقديم
مائير لمحاكمة عسكرية.
حكمت المحكمة العليا بالإجماع بوجوب محاكمة مائير في محكمة عسكرية
خاصة بتهمة التعذيب وتعمد إيقاع أذى بدني والاعتداء المفجع- وجميع
هذه التهم، للمناسة، انتهاكات قانونية جسيمة لاتفاقيات جينيف-
والتصرف غير اللائق. قال القاضي موشيه بجسكي "تغضب هذه الأفعال
كل إنسان متمدن، وأي غموض لا يمكنه التغطية عليها". وأضاف
"ومن المؤكد أن الأمر إن صدر عن ضابط كبير، فعلى ذاك الضابط
أن يكون واعياً بأن أخلاق قوات الدفاع الإسرائيلية تمنع مثل ذاك
التصرف".
بعد قرار المحكمة العليا، قدم مائير للمحاكمة أمام محكمة عسكرية
خاصة في تل أبيب في شهر نيسان 1991، فوُجد مذنباً، وخفضت مرتبته
إلى جندي، وحرم من معاش تقاعده ككولونيل.
تشير قضية مائير إلى مسألتين مهمتين في القانون الإنساني الدولي.
هل تشكل إطاعة أوامر عليا دفاعاً ضد الإدعاء بارتكاب جرائم حرب؟
و ما هي أعلى مرتبة يمكن أن تصل إليها "المسؤولية القيادية"
في التراتبية القيادية؟
يتلخص الجواب عن السؤال الأول في أن الزعم بإطاعة أوامر عليا ليس
دفاعاً ضد تهمة ارتكاب خروق جسيمة أو أي انتهاكات خطيرة للقانون
الإنساني الدولي. ورغم ذلك، يجب ملاحظة أن لا قانونية الأوامر
كانت واضحة في قضية مائير ولم تُنكر. ولكن قد لا تكون اللاقانونية
واضحة جداً في حالات أخرى، وقد تفشل المقاضاة على ارتكاب جرائم
حرب إذا لم يظهر أن المرؤوس قام بفعله "متعمداً"، بمعنى
أنه كان يعرف، أو يستطيع أن يعرف، بأن الأمر غير قانوني. إضافة
إلى ذلك، رغم أن الزعم بإطاعة أوامر عليا لا يشكل دفاعاً إيجابياً،
إلا إنه قد يكون جزءاً من زعم آخر، يمكن أن يقدم تخفيفاً، هو الإكراه
بالتهديد- مثل التهديد بإعدام المرؤوس لعدم تنفيذه الأوامر.
والمسألة الثانية هي مدى العلو في تراتبية القيادة الذي يمكن أن
تصل إليه المسؤولية عن الأمر بتنفيذ جريمة حرب. تقول المادة 86
من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف لسنة 1949
"لا يعفي قيام أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا البروتوكول
رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية، حسب الأحوال، إذا
علموا، أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف، أن يخلصوا
إلى انه كان يرتكب، أو أنه في سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك،
ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع أو كبح هذا
الانتهاك".
تنطبق هذه ا لقاعدة على الضباط. لذا تصل المسؤولية القيادية إلى
أي ضابط في السلسلة القيادية يعرف، أو يستطيع أن يعرف، بأن مرؤوسيه
يرتكبون جرائم حرب ولم يقم بفعل أي شيء لوقفهم. ورغم أن إسرائيل
لم تصادق على البروتوكول الإضافي الأول، لكن يتضح من ممارسة محكمة
العدل العليا الإسرائيلية أن قانونها المحلي يتضمن هذه المعايير
المعترف بها دولياً والخاصة بالأوامر الأعلى والمسؤولية القيادية.
وبمقتضى النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية الجديدة الذي
أقر سنة 1998، يعتبر القائد العسكري مسؤولاً عن الجرائم التي "عرفها
أو كان يجب أن يعرفها"، في تلك الظروف، وفقط عن تلك الجرائم
التي ارتكبتها قوات تعمل تحت "إمرته ورقابته الفعالة".
ويكون مسؤولاً "إذا أخفق باتخاذ كل التدابير الضرورية والمعقولة"
لمنع وكبح مثل تلك الجرائم التي كان المرؤوسون "يرتكبونها
أو على وشك ارتكابها" أو لإخفاقه في إعلام السلطات المعنية
بتلك الجرائم.
وقد طرحت قضايا مختلفة أسئلة صعبة، ابتداء بقضية ياماشيتا المشهورة
التي استمعت إليها المحكمة العسكرية الدولية في طوكيو بعد الحرب
العالمية الثانية. فقد اعتبرت هذه المحكمة أن قائداً معادياً كبيراً
مسؤول عما اعتقد عديد النقاد، بما في ذلك رأي مخالف اتخذته محكمة
العدل العليا الأمريكية، بأنه معيار استثنائي عالٍ للمسؤولية عن
أفعال المرؤوسين، حتى في ظل تلك الطروف التي فقد فيها الأدميرال
ياماشيتا تقريباً كل قدرة على قيادة مرؤوسيه والسيطرة عليهم والاتصال
بهم. بتعابير عملية، لا تتوسع المسؤولية القيادية إلى أعلى من
تراتبية القيادة كما قد يوحي المنطق بذلك، أي إلى القواد، وهي
بعامة محصورة بضباط بتمتعون بقدرة مهمة على الإشراف.
في دفاعه عن نفسه، حاجج مائير بأنه كان يعمل وفقاً لفهمه لأوامر
صدرت عن رؤسائه. رفضت المحكمة هذه الحجة، واستنتجت بأن المسؤولين
السياسين والعسكريين الكبار لم يصدروا أوامر بتكسير عظام. ولاحقاً،
قرر مكتب مدعي عام الدولة أن لا يتهم إيحود باراك، رئيس الأركان
في ذلك الوقت، أو رابين، وزير الدفاع، أو اللواء اسحق موردخاي،
قائد المنطقة الوسطى.
أما الضباط والجنود الذين نفذوا أوامر مائير في فضيحة حوّارة وبيتا
فقد حوكموا في محاكم عسكرية خاصة. ورفضت حججهم بأنهم كانوا "يطيعون
أوامر" فحسب، وقضوا مدداً في السجن.
ـــــــــــــــــــ
(انظر الحروب الإسرائيلية العربية؛ التعمد).