تدمير الملكية المدنية

أميرة هاس*

ثلاثة أساليب معمارية من البنايات وثلاثة نماذج من الخرائب تسبح بين أشجار صبّار مستديرة الوجنات ناضجة الثمار وأشجار لوز رائعة، تملأ بكثافة وادياً يانعاً قبل أن تتسلق متناثرة منحدرات التلة. لا تروي هذه البنايات قصة قرية بيت مرسم الفلسطينية التي تقع على تماس مع الجزء الجنوبي من الخط الأخضر (حدود هدنة 1948 بين الضفة الغربية/ الأردن وإسرائيل) وقصة التدمير الذي قام به الجيش الإسرائيلي المنتصر فحسب، بل وأيضاً قصة آثار حرب حزيران 1967 على حياة الناس.

ويوجد أيضاً نص فرعي ليقرأ هنا: الإلحاح الإسرائيلي المتواصل على "التخلص" من الفلسطينيين، ودفعهم إلى "التحرك شرقاً"، وأن يتركوا مرابع طفولتهم إلى الأبد. ويوجد للعملة جانب آخر: المرونة الفلسطينية.

أثناء حرب حزيران، أمرت وحدة من الجيش الإسرائيلي قرويي بيت مرسم إخلاء منازلهم القائمة قرب الحدود الأردنية. كان نصف أراضي القرية الزراعية قد ضاع لصالح إسرائيل بعد حرب 1948، فرفض القرويون هذه المرة ترك التلال المطلة على القرية. وإلى هذا اليوم، يستطيع القرويون أن يتذكروا بوضوح كيف، في بضع ساعات، امتلأ الوادي بأصوات انفجارت تقطع القلب وبمنظرها وهي تدمر بيوتهم المبنية من حجارة كبيرة ثقيلة، بنوافذها وأبوابها المقنطرة. ودمرت قوات الدفاع الإسرائيلية منازل في عدة قرى أخرى قريبة من الخط الأخضر أو في وادي الأردن الشرقي. وفقط إلى بيت مرسم وقرية مجاورة أخرى عاد الناس.
هذا وتسمح قوانين النزاع المسلح بالتدمير المتعمد للملكية في ظروف معينة. فالمادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الملحق باتفاقيات جينيف تجيز مثل تلك الهجمات، ولكن فقط على "تلك الأعيان التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بطبيعتها أو بموقعها أو بغايتها أو باستخدامها والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة". يتعامل هذا الحكم مع وضع تقوم فيه قوات مسلحة بهجوم مباشر على أعيان مدنية وملكية مدنية بغرض تدميرها.

من وجهة نظر قرويي بيت مرسم، لم توفر منازلهم لخصوم قوات الدفاع الإسرائيلية الأردنيين مزايا عسكرية محددة ولم تعق خطط إسرائيل العسكرية في ذاك القطاع المحدد من الحدود. ومن وجهة نظرهم أيضاً، ليس لتدمير بيوتهم إلا علاقة بسيطة بالمزايا العسكرية المحددة في ذلك الوقت. ويعتقدون أن بيوتهم دمرت لإجبارهم على ترك المنطقة بشكل دائم، وليس لضرورات معركة معينة. وتدمير البيوت لإقناع السكان المدنيين على الفرار بشكل دائم انتهاك لقوانين النزاع المسلح.

ليس من المعروف ما إذا كان القادة العسكريون الإسرائيليون سيوافقون في وقت التدمير على أن التدمير لا يفيد غرضاً عسكرياً محدداً. فكقاعدة عامة، يتردد كثيرون في الحكم على قرار يتخذه قادة أثناء معركة يجب أن توازن فيها المزايا العسكرية المحددة بالضرر الجانبي المتوقع، وبخاصة أنهم يتخذونه في ظل ظروف غامضة ونقص في المعلومات وفي الأغلب بسرعة كبيرة.

وبما إن تدمير بيت مرسم يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون واضحاً في توفيره ميزة عسكرية محددة للقوات الإسرائيلية، تمكن المحاجة بأن ما قام الإسرائيليون به خرقاً قانونياً جسيماً لاتفاقيات جينيف والبروتوكول الإضافي الأول الملحق بها. وطبقاً لاتفاقيات لاهاي لسنة 1899 وسنة 1907- التي قضت المحكمة الإسرائيلية العليا بانطباقها على الضفة الغربية وقطاع غزة- فإن "تدمير ملكية العدو أو مصادرتها، إلا إذا كان مطلوباً بإلحاح لضرورات الحرب" ليس قانونياً. وتنص الاتفاقيات أيضاً على "ضرورة احترام الملكية الخاصة".

وتحكم أحكام قوانين النزاع المسلح أيضاً الظروف التي يمكن في ظلها تد مير الملكية كضرر جانبي. إذ يجب أن لا يتجاوز الضرر حدّ الضرورة العسكرية، وأن لا يكون تعسفياً.

وتتمثل أسس قانونية أخرى لتقويم تدمير المنازل في بيت مرسم باتفاقية جينيف الرابعة التي تمنع بصراحة تدمير الملكية المدنية في ظروف الاحتلال إلا إذا بررته ضرورة عسكرية. تقول إسرائيل إن انطباق اتفاقية جينيف الرابعة القانوني على الأراضي المحتلة أمر "مشكوك فيه"، وأنها منذ سنة 1967 تطبق "الأحكام الإنسانية" من تلك الاتفاقية عليها، دون أن تحدد ما هي تلك الأحكام. ولا تعترف أية دولة أخرى بتفسير إسرائيل الانتقائي لاتفاقيات جينيف لسنة 1949. وتؤكد اتفاقية جينيف الرابعة أن "تدمير الملكية الواسع ومصادرتها، الذي لا تبرره ضرورة عسكرية ويتم بشكل لا شرعي وتعسفي"، خرق قانوني جسيم.
ورغم ذلك، فإن المسألة المطروحة في حالة بيت مرسم، مثلها مثل أية حالة مما يبدو للوهلة الأولى أنه تدمير ممكن، هي الضرورة العسكرية. ولأن القادة يستطيعون الزعم دائماً بأن ضرورات الحرب هي التي أجبرتهم على فعل ما فعلوا، سيظل الالتزام بمحظورات تدمير ملكية العدو إشكالياً دائماً، وسيصعب أيضاً دحض مزاعمهم بالضرورة العسكرية أو، للسبب نفسه، رغبتهم القانونية العارمة بالحصول على ميزة عسكرية.

وسواء كانت المسألة مسألة ضرورة عسكرية أم لا، ظل أهل بيت مرسم متشبثين بمنازلهم وقريتهم. كانوا مصرين جداً على المكوث هناك إلى حد ذهب معه وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان شخصياً سنة 1967 إليهم ليتفاوض معهم. يتذكر أبو شريف البالغ من العمر سبعين عاماً، فيقول "جاء الجنرال ديان ليتكلم معنا. وفي نهاية الحديث وافق على أن نبني غرفة واحدة مقابل كل منزل هُدم. قلنا له: ولكن يا جنرال ديان، إن غرفة واحدة لا تكفي عائلة من عشرة أفراد. فأحاب : نأمل أن تتحسن الأمور وأن تكون قادراً مع مرور الأيام على بناء المزيد". في ذلك الوقت، كان الجيل المعماري الثااني قد ولد، فتم بناء أبنية يتكون الواحد منها من غرفة واحدة صغيرة، بحجارة أصغر.


وبعد اتفاق أوسلو لسنة 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، بدأ القرويون يبنون مرة أخرى- دون انتظار إعادة انتشار القوات الإسرائيلية أو أذونات البناء الإسرائيلية التي لا تأتي أبداً. بنوا جيلاً ثالثاُ من المنازل، فسيحة، قبيحة المنظر، من إسمنت عارٍ. وفي مجرى سنة 1997، تلقت خمس عشرة عائلة من أهل القرية الذين ظلوا يعيشون هناك أوامر بوقف البناء "غير القانوني" وهدم منازلهم بأنفسهم. وفُجِّر أحد المنازل فتحول إلى حطام وكتل إسمنتية رمادية وأنابيب مكسورة وأعمدة فولاذية سوداء ملتوية تزحف صاعدة من الركام. وتوقف البناء الآن.
ــــــــــــ
(انظر الأهداف العسكرية).


* أميرة هاس صحفية إسرائيلية تعمل لصحيفة هآرتس في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي مؤلفة "شرب البحر في غزة: نهارات وليال في أرض تحت الحصار" (منشورات متروبوليتان، 1999).

 





This site © Crimes of War Project 1999-2003