عدم إعادة أسرى الحرب إلى الوطن

مارك هبند*


تمايل مصطفى سرجي من قدم إلى قدم. ارتفعت أسوار سجن الشهيد محمد السيد الطينية الشاهقة حولنا خارجة من الصحراء الجزائرية.

منسياً من البلد الذي أرسله إلى الحرب، قضى واحداً وعشرين عاماً من حياته محبوساً في سجن صحراوي ترجّع فيه أصداء صلوات والشمس الحارقة تغرق وراء الصحراء القاحلة في الخارج.

قال وعيناه تشعان "اسأل الآخرين عما إذا كنتُ هنا إنساناً أم حيواناً". وأضاف "نحن مسلمون. نؤمن بالله. نصلي. لسنا صخوراً. إننا نعيش في هذا الجحيم. نحن ضحايا هذه الدراما المنسيون. لنا حياتنا لنعيشها. فقدت شبابي. فقدنا عائلاتنا. في كل مرة نستلم فيها رسائل نجد أن فرداً من أفراد عائلاتنا قد مات. إلى متى سيطول هذا؟ أرجوك، هل سيلتفت أحد إلينا".

مصطفى سرجي ورفاقه من بين ألفين وثلاثمائة جندي مغربي أسرتهم جبهة البوليساريو، وهي جيش من رجال العصابات قاتل لأكثر من خمسة عشر عاماً لإقامة دولة مستقلة في المستعمرة الإسبانية السابقة، الصحراء الإسبانية. وفي الحقيقة منحت إسبانيا المنطقة استقلالاً سنة 1975، ولكن خلال أيام، احتلت المغرب المجاورة المنطقة الغنية بالمصادر المعدنية. وبدأت الحرب التي كلفت مصطفى سرجي حريته.

وصل ذاك النزاع الآن إلى مأزق، ولا توجد من بعد أعمال عدائية. بدلاً عن ذلك، تنتظر كل الأطراف نتائج وساطة الأمم المتحدة وجهدها لتنظيم استفتاء حول مستقبل ما يعرف الآن بالصحراء الغربية. سيُسأل سكان المنطقة الذين ينتمي معظمهم إلى قبيلة صحراوية بدوية، ما إذا كانوا يرغبون باستقلال كامل أو أن يصبحوا جزءاً من المغرب. وفي الوقت الذي تراوح فيه الاستعدادات للتصويت مكانها، انسحبت البوليساريو إلى قطاعات صغيرة من الأرض على طول حدود الصحراء الشرقية والجنوبية، وعبر الحدود في الجزائر المجاورة. ولكن القوات البوليسارية أخذت معها أسراها، وإلى الآن، لم تصل كل الجهود لإطلاق سراحهم إلى نتيجة، رغم توقف القتال.

خمسة سجون في منطقة تندوف الجزائرية بيوت لأسرى الحرب المغاربة. وسجن محمد السيد، الذي يقال إنه أفضل السجون الخمسة، ساحة رملية واسعة محاطة من ثلاث جهات بأسوار ترتفع عشرين قدماً. وفي الجهة الرابعة نتوء صخري. وعلى كل سور تصطف أكواخ تشبه القباب، بناها السجناء أنفسهم. والساحة هي المكان الذي يفعل الخمسمائة سجين فيها ما فعلوه كل يوم لعشرين عاماً؛ يصلون ويلعبون كرة القدم.

أخبرني مصطفى سرجي، "في الحقيقة، لا يريد أحد الحديث معك". وأضاف "استقبلنا بضعة زوار من قبل- بعضهم أحضر طعاماً- غير إنهم يغادرون ولا نسمع منهم مرة أخرى. يقولون جميعاً إنهم سيطرحون قضيتنا في العالم الخارجي. ولكنهم لا يفعلون ذلك أبداً، فنعود وحيدين مرة أخرى، منسيين مرة أخرى".

وفقاً للقانون الإنساني الدولي، يعتبر استمرار سجن مصطفى سرجي ورفاقه انتهاكاً قانونياً جسيماً، أي جريمة حرب. فالمادة 118 من اتفاقية جينيف الثالثة لسنة 1949 تقول "يفرج عن أسرى الحرب ويعادون إلى أوطانهم دون إبطاء بعد انتهاء الأعمال العدائية فعلاً". ويتكرر تقرير هذا الالتزام في البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977، الذي يدرج "الإبطاء غير المبرر في إعادة أسرى الحرب أو المدنيين إلى أوطانهم" في قائمة الانتهاكات القانونية الجسيمة؛ ويعني هذا وجود سلطة قضائية دولية على الانتهاكات. فالتزام أي جانب يحتجز أسرى بالعمل على الإفراج الفوري عنهم وإعادتهم إلى وطنهم لا يعتمد على توقيع معاهدة سلام رسمية، رغم أن من حق المحارب التأكد من أن خصمه قد توقف عن القتال توقفاً أصيلاً ولا ينوي استئناف الصراع؛ وإلا، لبدت عودة الأسرى إلى وطنهم معززة لجيش العدو. وإذا لم تكن هذه المخاطرة قائمة، واجب الإعادة إلى الوطن واضح في القانون الدولي. ورغم ذلك، للسجناء، من وجهة نظر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حق رفض إعادتهم إلى وطنهم قسراً. تبرز مثل هذه الأوضاع عندما يحصل تغير في الحكم في دولة أسير الحرب الأم قد يجعل العودة خطرة.

ليس ذاك الحل المنشود لأسرى الحرب المغاربة. إنهم تواقون للعودة إلى الوطن. وفوق ذلك، رغم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو الذي تم الوصول إليه في شهر أيلول 1991، تستمر همة أسرى البوليساريو في المغرب، الذين يعيشون في معسكرات تشبه سجن الشهيد محمد السيد، بالفتور، تماماً مثلما تفتر همة أسرى الحرب الإيرانيين الذين قضوا أعواماً طوالاً معتقلين في العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. يزعم ممثلو البوليساريو أنهم سيكونون سعداء إذا تحرر المعتقلون، غير إن المغاربة يرفضون تحريرهم لأن ذلك، حسب سفير متجول للبوليساريو، "يعني أن عليهم الإفراج عن أسرى حرب البوليساريو الذين يحتجزونهم. ولكنهم لا يريدون ذلك، لأنهم لا يريدون الاعتراف بالبوليساريو أو بأن هذه حرب".

والنتيجة لرجال مثل مصطفى سرجي، الذين اعتقل معظمهم وهم في عشرينياتهم، أنهم وهم لا يزالون أحياء (لا يتذمر الأسرى من المعاملة السيئة)، فإن شبابهم سرق منهم. معتقلون بشكل غير قانوني، ويدخلون الآن أربعينياتهم، عليهم مواجهة احتمال أن يسرق منهم وسط عمرهم أيضاً.


* مارك هبند مراسل صحيفة الفايننشيال تايمز (لندن) في القاهرة. فاز بجائزة مراسل العام الدولي البريطانية سنة 1991. وهو مؤلف كتاب "الحرب الأهلية الليبيرية" (منشورات كاس 1998) و "جنود النبي: النضال من أجل الإسلام" (منشورات ويست فيو، 1998).






This site © Crimes of War Project 1999-2003