الحرب الإيرانية العراقية



جوناثان سي. راندال*

تحت غطاء السياسة الواقعية، ساهمت اللامبالاة الدولية المتعمدة بفظائع الحرب الإيرانية العراقية الطويلة في الثمانينيات من القرن العشرين بزيادة شعور الدول المتحاربة بالحصانة، فتعمدت إجازة انتهاكات القانون الإنساني وجرائم الحرب وحتى احتمال قيامها بالإبادة الجماعية. فبعد عقد من توقف الأعمال العدائية، ما زال ذاك الإرث المزعج يسمم العلاقات بين إيران والعراق، وخلق سوابق خطيرة لنزاعات المستقبل.

ورغم ذلك، من الصعب هضم مثل هذا التواؤم مع الشر من قبل أية دولة عظمى وإن سهل فهمه. فالعداوة بين قوتي الخليج الإقليميتين موجودة قبل مدة طويلة من تهديدات طهران الإسلامية النارية بتصدير ثورتها التي قادت إلى هجوم العراق الوقائي وبالتالي إلى مخاوف دولية بانتصار إيران. وتعود العلاقات المتوترة بين الجارتين، في الأقل، إلى الانشقاق الإسلامي المبكر بين بغداد الاتجاه السائد السني والمنشقين الشيعة في ما يدعى الآن إيران. وفي العقود التي سبقت الحرب جهّزت واشنطن شاه إيران بأرقى الأسلحة تكنولوجياً وبالقواعد العسكرية والفنيين، وكرسته شرطياً واقعياً للخليج. وبالمثل، قام السوفيات بإغراق العراق بالأسلحة، وزوده البريطانيون والفرنسيون بزاد أصغر. وتساوقت منافسات الحرب الباردة بذكاء مع مبيعات الأسلحة منتجة أرباحاً بالعملة الصعبة لدفع ثمن النفط. كان الخليج آنذاك يشكل مصدر ثلثي واردات "العالم الحر" من النفط الخام.

وبالمقارنة مع هذا القرن العشرين الملطخ بالدم، شهد النزاع الذي دام من شهر أيلول 1980 إلى شهر تموز 1988 أسساً جديدة للرعب، بما في ذلك الاستعمال الأول الواسع للأسلحة الكيماوية من قبل حكومة ضد شعبها وحملة إبادة موثقة بدقة ضد الأكراد العراقيين.

في هذا النزاع، في أكثر حروب الخمسين عاماً الماضية دموية، قُتل في ساحة المعركة ما يقرب من 000، 750 جندي إيراني وربما ثلث هذا العدد من القوات العراقية. وزودنا القتال أيضاً بدليل مذهل يوضح التجاهل المنظم لما يمكن اعتباره قواعد حرب- وليس فقط من قبل الدول المحاربة.

ولمعظم ديمومته، فُسر النزاع من وجهة نظر عديد الأجانب على أنه ارتداد غريب إلى حرب خنادق الحرب العالمية الأولى المهلكة، عقّدتها حماسة آيديولوجية غير مفهومة لغير المتضلعين بتاريخ الشرق الأوسط الدموي غير المتسامح القديم. في البداية، وجد الغرب كلا الدولتين المتحاربتين خطرتين بشعتين بالتساوي، إلى حد أن الساخرين، مشخصين بوزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر، ابتهجوا لوهن النظامين المتزايد.

رُئي أن "أفضل" نتيجة هي الاستنزاف المشترك لجمهورية آية الله روح الله خميني الإسلامية الإيرانية التي كانت مصممة على نشر الثورة في العالم الإسلامي، ولنظام صدام العلماني شبه البروسي في العراق، ذاك النظام الشهير بتهديد مواطنيه ومشيخات الخليج العربي الأصغر. موقف الامتهان هذا، زود الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمبرر مشكوك فيه أخلاقياً لعدم تحركهم رغم تعهداتهم الملزمة في وجه الانتهاكات المتكررة الظاهرة للعيان للاتفاقيات الدولية التي كان العراق وإيران، طبعاً، موقعين عليها.

في ظل هذا الوضع، وجدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الضامن المحايد لقواعد الحرب المقبولة المعروفة بالقانون الإنساني الدولي، نفسها مجبرة باستمرار على كسر صمتها المعهود لتعبر عن سخطها الصريح على سوء سلوك الدول المحاربة وعن نقدها الضمني لتواطؤ القوى العظمى مع مثل هذه الانتهاكات ومسايرتها لها.

وسرعان ما أخذ مثل هذا التنازل الأخلاقي في آخر حروب القرن الدولية الكلاسيكية بعين الاعتبار من قبل لاعبين في سلسلة من النزاعات الضروس في راوندا والصومال وليبيريا والبوسنا وفي كل مكان آخر شبت فيه بعد الحرب الباردة فوراً. وصل ذاك الصراع العالمي إلى نهايته المؤلمة عندما تجرع الخميني "الكأس المسمومة" وقبل في النهاية، في صيف 1988، شروط قرارات مجلس الأمن التي رفسها في العام السابق.

ولكن الوصول إلى تلك النتيجة تطلب من القوى العظمى التخلي عن عزلة توجهها الأولي الشهير، "فخار يكسّر بعضه". وما فرض التغيير مؤشرات بيّنة على انهيار العراق، الأمر الذي حثهم على تزويده بمساعدة عسكرية كافية لكبح إيران- ولإبقاء صدام في ساحة المعركة. فقد تحطم نجاح العراق الأولي القصير بعد غزو إيران بسرعة أمام المقاومة الإيرانية المصممة على الاستمرار والتي دفعت تمناً لها خسائر لا يقبلها إلا نظام ثوري.

وأخيراً، بدأ جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، ما عدا الصين، بممارسة دولية أساسية للسياسة الواقعية بعد أن دفعت إيران العراقيين إلى الخلف نحو الحدود الدولية سنة 1982 ورفست صفقة تعويض ببلايين الدولارات مقابل إنهاء الأعمال العدائية. أنكرت انحناءة المجتمع الدولي الداعمة للعراق على الخميني حلمه بجمهورية إسلامية في العراق ونشر الثورة قدماً، ونجحت في ذلك. شمل ذاك الدعم مساعدة عسكرية مهمة كانت أحياناً علنية، وفي الأغلب سرية، تتدرج من قاذفات القنابل "سوبر إتندار" الفرنسية "المُقرضة" جهاراً، إلى قيام الولايات المتحدة سراً بتشويش رادارات طهران وتزويد العراق بصور أقمار التجسس التي حددت الأهداف الإيرانية. ورغم ذلك، بالكاد صمد العراق في وجه إيران. ولكن صدام الذي لم يبرأ لم "يتعلم"، وقام بعد عامين من حربه مع إيران، بغزو الكويت.

هذا التورط لإنقاذ صدام من حماقته لم يكن دون ثمن إنساني باهظ. فقد تضاعف دوران دائرة انتهاكات حقوق الإنسان بدورات وانحناءات أكثر إبداعاً ورعباً. وأدينت هذه الانتهاكات بانتظام من قبل منظمات حقوق الإنسان، لكن دون فائدة.

فطوال أعوام، انتهك طرف أو آخر، وأحياناً كلاهما، اتفاقيات جينيف لسنة 1949 والبروتوكول الإضافي الملحق بها لسنة 1977 الذين يحظرون استهداف المدنيين والأهداف المدنية ويحرمون استعمال الأطفال في القتال ويحمون أسرى الحرب. وبالمثل تم انتهاك بروتوكول سنة 1925 الذي يمنع استعمال الأسلحة الكيماوية.

ففي موجات لا تحصى، قام الجنود الأطفال الإيرانيون غير المدربين وغير المسلحين إلا بمفاتيح بلاستيكية تضمن افتراضاً دخولهم الجنة بتفجير أنفسهم بعشرات الآلاف لإزالة حقول الألغام أو ماتوا لقمة سائغة للقصف المدفعي الذي لا يشبهه إلا ما حصل في فيردون أو ستالنغراد. وبددت الصواريخ العراقية هدوء الليل لتنشر الرعب بين سكان المدن الإيرانية التي تبعد مئات الأميال عن الجبهة. ودمر القصف العراقي والإيراني المستمر مدنهما وبلداتهما الواقعة قرب الحدود الدولية.

ومما أزعج اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي بخاصة ولع كلا الجانبين بالتدخل في إجراءاته الروتينية. فقد أحبط العراق وإيران جهود الصليب الأحمر لتقصي أسرى الحرب والتعرف على المفقودين والموتى منهم، معقدين بذلك كثيراً جهود ما بعد الحرب للتعرف على من نجا منهم وبالتالي إعادتهم إلى وطنهم.

وشكا العراق باستمرار من أن أسراه قد "صُفوا"، أو ألقي بهم في سجن انفرادي، أو، في حال الجنود الشيعة، غسل دماغهم وأجبروا على الالتحاق بوحدات "لواء بدر" العسكرية الخاصة المارقة التي نظمت بإيعاز من الإيرانيين ليقاتل كل فرد فيها ليوم واحد من أجل جمهورية إسلامية في وطنهم. وعانى الصليب الأحمر من مشكلة مع إيران أثناء تسجيل الأسرى وفي محاولته إقناع طهران بالسماح بمقابلة الأسرى دون وجود شهود.

واحتجت طهران بأن أسراها في العراق منعوا من الصلاة جماعة، الأمر الذي بررته بغداد بأسباب أمنية. ومنع العراق الصليب الأحمر من زيارة ما يقرب من عشرين ألف إيراني أسروا ابتداء من سنة 1987.

وحتى بعد انتهاء الأعمال العدائية سنة 1988، لم تتم أية عمليات مهمة لإعادة الأسرى إلى وطنهم لمدة عامين آخرين رغم شروط وقف إطلاق النار التي تقضي بعودتهم الفورية ورغم إلحاح الصليب الأحمر المثابر على ذلك. (لان صدام سنة 1990 ليحسن العلاقات مع إيران بينما كان العراق يسعى لتقوية نفسه أمام التحالف الأمريكي الهادف استعادة الكويت منه). وعندما تم في النهاية إعادة ما يقرب من أربعين ألف أسير من كلا الطرفين إلى وطنهم، خالف تبادل الأسرى سياسة الصليب الأحمر المعارضة لإطلاق سراح الأسرى على أساس أسير مقابل أسير.

وبعد عقد من إطلاق آخر رصاصة من رصاصات الحرب، لم يكن جميع الأسرى قد عادوا إلى وطنهم بعد. إلا إن إيران في شهر نيسان 1998، في محاولة جديدة منها لتحسين علاقاتها مع العالم العربي ولتخرج من عزلتها التي دامت لعقدين، أعادت ما يقرب من ستة آلاف أسير حرب عراقي إلى وطنهم. وروى مسؤولون من الصليب الأحمر زاروا أسرى حرب في إيران بأن الكثيرين من الاثنى عشر ألف معتقل رسمي بدوا وكأنهم أكبر عمراً من عمرهم الحقيقي بعشرين عاماً. كما رووا أن عديد من التحق منهم بلواء بدر، منذ زمن طويل، خافوا من تعرضهم للاقتصاص إن عادوا إلى الوطن.

لا يعود رفض إيران الالتزام بقواعد الصليب الأحمر إلى الجهل بها، كما كانت الحال عليه مع العراق بداية، بل إلى رفض الثورة الإسلامية أية تعهدات تعهد بها الشاه وأسرته البهلوية التي أسقطها الخميني قبل ثمانية عشر شهراً من بدء العراق لحربه الوقائية. فقد كانت قواعد الصليب الأحمر وإجراءاته ومطالب مسؤوليه الدائمة بسلوك موضوعي عرضة للشك، لأنها غربية ومسيحية، وتم تجاهلها باعتبارها غير ملزمة لثورة تشتعل برؤيتها الذاتية الكفاحية الشمولية.

لا يتدفق مثل هذا التفسير الآيديولوجي إلى الذهن بسهولة إذا حاول المرء فهم منطق صدام وهو يخرق تحريم استعمال الأسلحة الكيماوية، أولاً ضد القوات الإيرانية، ومن ثمّ ضد مواطنيه الأكراد. ولكن قراره كان متساوقاً مع ولعه الدائم بعقاب أي شخص يجرؤ على تجاوزه. (لم يعن قتل الأكراد بالغاز- أو القتل الاقتصاصي لثمانية آلاف فرد من قبيلة قائد العصابات الكردي مسعود البرزاني سنة 1983- أي شيء لصدام). وقامر بذكاء على أن العالم الخارجي سوف يتسامع مع أي شيء يوقف الخميني.

ورغم ذلك، قامت الشركات الغربية أثناء الحرب، وهي تدري، ببيع العراق مواد كيماوية "مزدوجة الاستعمال" ومعدات يزعم أنها لمصانع "أسمدة"، وهم يعرفون تماماً إمكانية أن تنتج أنواعاً مختلفة من غازات الأعصاب التي تحرمها المعاهدات. ولا تزال هذه الأسلحة تسبب مشاكل لمفتشي الأمم المتحدة الذين يقومون الآن بمهمة تفكيكها من ترسانة صدام. ومن السذاجة بمكان الاعتقاد بأن الحكومات الغربية لم تكن مدركة لمخاطر تلك المواد الكيماوية قبل احتلال العراق للكويت سنة 1990.

وفقط آنذاك- مع تصاعد الضغط على صدام، ومع انكشاف قواتهم لأسلحته الكيماوية- تخلصت الحكومات الغربية من فقدان ذاكرتها وبدأت بإدانة استعمال العراق لهذه الأسلحة المحرمة. وإلى اليوم، لا تزال الأمم المتحدة تتستر على الشركات المتورطة. ففي حديث خاص، أكد رالف إيكيوس، الرئيس السابق لمفتشي الأمم المتحدة عن السلاح في العراق، أن مجلس الأمن عقد صفقة سنة 1993 مع مفتشي الأمم المتحدة، بغداد، والوكالة الدولية للطاقة النووية تقضي بعدم كشف هويات الشركات.

ويمكن تفهم الرغبة في التهرب من المسؤولية إذا عرفنا الضرر الذي يمكن أن تلحقه هذه الأسلحة. وأكثر الأمثلة المعروفة على ذلك ما حصل للقرية الكردية حلبجا الواقعة قرب الحدود الإيرانية. فلانزعاجه من قيام رجال العصابات الأكراد المتحالفين مع الحرس الثوري الإيراني باحتلال البلدة في الخامس عشر من آذار 1988، هاجمها صدام بموجات من الطائرات الحربية.

أسقطت الطائرات غاز الخردل الذي كان الغاز المفضل في الحرب العالمية الأولى، وبالمثل غاز التابون وغاز السارين اللذين طورهما النازيون لكنهما لم يستعملا من قبل، وغاز في. إكس الذي كان العراق يختبره للمرة الأولى، فمات ثلاثة آلاف مدني كردي في الأقل.

وهذه المرة، تم تسجيل آثار الأسلحة الكيماوية بيانياً. فقد نقلت مروحيات إيرانية مراسلين أجانب وفرق تلفزيونية ومصورين إلى مكان الحادث. هزت تقاريرهم، وبخاصة منها صور الجثث في حلبجا المجمدة في أوضاع شبيهة بأوضاع بومبي، العالم. [انفجر بركان فيزوف في مدينة بومبي الرومية القديمة في إيطاليا سنة 79 بعد الميلاد، فردم المدينة بكاملها، وتم حديثاً كشفها من تحت الأنقاض].

وما كان لحلبجا أن تكون مفاجأة. ففي شهر تشرين ثاني 1983 قدمت طهران أول شكوى من شكاواها العديدة إلى الأمم المتحدة متهمة العراق باستعمال الأسلحة الكيماوية لوقف هجمات الموجات البشرية من المشاة الإيرانيين. لكن العراق رفض اقتراحاً من الأمم المتحدة بإرسال خبراء إلى كلا الطرفين المتحاربين للقيام بتحقيق ميداني.

ووافق تقرير الأمم المتحدة الصادر سنة 1984 ويتعامل فحسب مع نتائج التحقيق على الأرض الإيرانية على أن العراق قد استعمل غاز الخردل وغاز التابون. ولكن لم يكن للتقرير إلا أثر ضئيل لافتقادة لأفلام أو صور. وأصدر مجلس الأمن قراراً ضعيفاً أحجم عن تسمية العراق باسمه. فقد أدان رئيس مجلس الأمن الذي ينتخب بالتناوب استعمال الأسلحة الكيماوية في تصريح منفصل قلما لفت الانتباه وصدر باسمه الشخصي. ونادراً ما فعل المجلس أكثر من ذلك.

ولكن حتى الضجة التي ثارت حول حلبجا لم توقف استعمال العراق للأسلحة الكيماوية مرة أخرى ضد أكراده (وهو استعمال لا ينتهك، تقنياً، بروتوكول جينيف لسنة 1925 حول الأسلحة الكيماوية الذي لم تتوقع شروطه التي لا أسنان لها عملياً زمناً حربياً تستعمل فيه حكومات موقعة تلك الأسلحة ضد مواطنيها). وبالفعل لم تكن حلبجا حالة استثنائية. فالوثائق العراقية التى استولى الأكراد على الملايين منها سنة 1991 تقول إن صدام، في سنة 1987 وسنة 1988، وفي حملة اسمها "الأنفال" قد استعمل أسلحة كيماوية ستين مرة، في الأقل، ضد القرى الكردية.

ويتفق المسؤولون العراقيون والأكراد على أن ستين ألف كردي، في الأقل، ماتوا في حملة "الأنفال". واستمر صدام بضرب الأكراد بالغازات حتى بعد وقف إطلاق النار سنة 1988. ولاحظ تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن فضاعاته ضد الأكراد كانت "جسيمة جداً" و"هائلة لا يمكن العثور إلا على قلة مما توازيها منذ الحرب العالمية الثانية".

ووثائق "الأنفال" مُدينة جداً إلى حد أصبح معه محامو حقوق الإنسان مقتنعين بأنها تشكل قضية قوية ضد صدام مرتكباً للإبادة التي تعرّفها الأمم المتحدة بأنها "تعمد تدمير جماعات قومية أو عرقية أو جنسية بحد ذاتها تدميراً كاملاً أو جزئياً". وبذلت منظمة مراقبة حقوق الإنسان جهداً هائلاً ومصاريف كبيرة لتمحيص أربعة ملايين وثيقة ولنشر كتاب يضم، فيما يبدو، أدلة لا تدحض. ولاحظ محام عليم "لا يمكن تصور عدد الأدلة الموجودة".

ولكن الحكومات فقط يمكنها رفع قضية بالإبادة. وإلى الآن لم تتطوع دولة- أو تحالف من الدول- لفعل ذلك، لخوف واضح من رد بالمثل أو من خسارة عقود رابحة مع بغداد. أرغت الولايات المتحدة وأزبدت وهي تقنع بعض محامي حقوق الإنسان أن واشنطن ستبدي اهتماماً فقط بعد استنفاد حجج أخرى ضد صدام.

ولا شيء يوضح الحصانة التي يبديها صدام مثلما يوضحها تقويم ابن عمه علي حسن ماجد الذي قاد عمليات "الأنفال". ففي سنة 1989 برر الرجل الذي يسميه الأكراد "علي الكيماوي" استعماله المتكرر للغاز السام بالتباهي: "من سيقول أي شيء؟ المجتمع الدولي؟ ... أمه".

إلى الآن، تتمثل النتيجة الإيجابية الوحيدة التي نجمت عن انتهاكات الحرب الإيرانية العراقية لقانون حقوق الإنسان باتفاقية الأسلحة الكيماوية المعدّلة التي وقعت في باريس في شهر كانون أول 1993. فقد حرمت الاتفاقية قانونياً استعمال تلك الأسلحة أو تخزينها أو تطويرها أو إنتاجها أو نقلها أو بيعها أو إهداءها، وأمرت بتدمير المخزون منها حالياً.

ومهما كان ذاك جديراً بالثناء، جاءت الاتفاقية متأخرة جداً لمن استنشقوا الغاز حتى الموت، أو للناجين من حلبجا الذين تم التخلي عنهم ونسيانهم. زارت عالمة الوراثة البريطانية كرستين غوسدن حلبجا بعد عشرة أعوام من الهجوم، وأظهرت الأدلة القضائية التي جمعتها أن الناجين يعانون من علل جينية مريعة، ومن قروح جلدية وأمراض تنفسية، ومن معدلات عالية بشكل غير عادي من أمراض السرطان المدمرة والإجهاض، ومن تشويهات ولادة مثل شقوق في الشفة والحنك، ومن اختلالات في الرئة، ومن أمراض القلب.
ــــــــــ
(انظر الأسلحة السامة).


* كان جوناثان سي. راندال مراسلاً دولياً لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية من سنة 1969 إلى سنة 1998. وهو مؤلف "بعد مثل تلك المعرفة، ما هو التسامح؟ لقاءاتي في كردستان" (دار نشر فارر وشتراوس وجيرو 1997).






This site © Crimes of War Project 1999-2003