الهجوم
العشوائي
روي غتمان* وداود
كتّاب**
بينما كانت القوات الغربية تقصف
أهدافاً عسكرية عراقية في بداية حرب الخليج، أطلق العراق مراراً
صواريخ إس. إس- 1 (سكود) على إسرائيل. لم تُعرف صورايخ سكود أبداً
بدقتها، ولكنها أصبحت حتى أقل دقة نتيجة قرار العراق مضاعفة مداها
ثلاثة أضعاف أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
كان هامش الخطأ، في الأقل، ألفي
ياردة، الأمر الذي جعل الصواريخ دون فائدة، تقريباً، لضرب الأهداف
العسكرية، ولكنها فعالة جداً في إرهاب السكان الذين يعيشون في
منطقة حضرية. فمن ضمن الأحد عشر هجوماً على أهداف عسكرية، سقط
عديد الصواريخ على مناطق سكنية مكتظة في تل أبيب وحيفا أو على
حقول مكشوفة؛ وتم اعتراض أخرى بصواريخ باتريوت التي زودت الولايات
المتحدة إسرائيل بها ولم تسقط أبداً قريباً من الهدف. ولا يوجد
دليل على أن العراق قد قام بأية محاولة لتوجيه صواريخ سكود إلى
أهداف عسكرية.
تمثل هجمات السكود هجوماً عشوائياً،
جريمة حرب مُعرّفة في البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الملحق
باتفاقيات جينيف لسنة 1949. فالهجوم العشوائي هجوم لا يتخذ فيه
المهاجم تدابير لتجنب ضرب أهداف غير عسكرية، أي المدنيين والأعيان
المدنية. فالبروتوكول الأول ينص أن على "أطراف النزاع أن
تميز، في كل الأوقات، بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان
المدنية والأهداف العسكرية، وطبقاً لذلك أن توجه عملياتها ضد أهداف
عسكرية فقط".
ويشمل الهجوم العشوائي أيضاً استعمال
وسائل وتقنيات ، مثل صواريخ السكود، لا يمكن توجيهها إلى أهداف
عسكرية محددة أو لا يمكن لآثارها أن تكون محدودة.
والأهداف العسكرية محددة بـ "تلك
الأشياء التي يكون ضربها، سواء لطبيعتها أو موقعها أو غرضها أو
استعمالها، مساهمة فعالة في العمل العسكري ويقود تدميرها الكامل
أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تحييدها، في الظروف السائدة في
ذلك الوقت، إلى ميزة عسكرية مؤكدة". ورغم أن كل حال من حالات
الهجوم العشوائي تنتهك قانون النزاع المسلح، فإن الأمر لا يختلف
إذا أوقع الهجوم العسكري ضرراً جانبياً بالمدنيين أو الأعيان المدنية.
وإذا كان الأذى الذي حلّ بالمدنيين متناسباً مع الميزة العسكرية
المتوخاة، يكون الهجوم، إذا لم تتدخل عوامل أخرى، عملاُ حربياً
قانونياً. وإذا كان الأذى "مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية
المحددة المباشرة"، يُحرّم الهجوم، سواء كان عشوائياً أو
لم يكن. (محدد يعني مدرك بالحواس؛ مباشر يعني عدم شموله عوامل
تبطله).
ورغم أن الولايات المتحدة وبلدان
أخرى كثيرة لم تصادق على البروتوكول الإضافي الأول، يعتبر هذا
الحكم جزءاً من القانون العرفي، ولذلك فإنه ملزم لجميع أطراف النزاع.
هذا ولم يُحظر الهجوم العشوائي في النزاعات الداخلية بالتحديد
أبداً، ورغم ذلك، يجوز المبدأ عليها باعتباره مسألة قانونية عرفية.
هذا وقد شن كل جيش تقريباً، في
لحظة من اللحظات، ما يوصف اليوم بأنه هجوم عشوائي. وتشمل الأمثلة
هجمات ألمانيا بصواريخ في. آي. أي. أثناء الحرب العالمية الثانية،
قيام الحلفاء بقصف درسدن وهامبورغ "قصفاً استراتيجياً"
ونارياً، وبالمثل قيام الولايات المتحدة، أثناء حرب فيتنام، بـ
"القصف السجادي". ولكبح هذه الممارسة، يحظر البروتوكول
الإضافي الأول أي هجوم "يستعمل القصف الذي يعامل كهدف عسكري
مفرد مجموعة من الأهداف العسكرية الموجودة في مدينة أو بلدة أو
قرية أو في أية منطقة أخرى تضم تركزاً مشابهاً للمدنيين أو الأعيان
المدنية".
وغاية هذا الحكم منع مهاجم من
معاملة مدينة كاملة تضم ليس مدنيين فقط بل وأهدافاً عسكرية أيضاً
كهدف عسكري مفرد. أما الأهداف العسكرية المفردة فيمكن استهدافها،
مع إمكانية وقوع ضرر جانبي على المدنيين، غير إنه ينبغي استهداف
الأسلحة فردياً. وما يمكن اعتباره استهدافاً مميزاً مقنعاً سؤال
مهم قابل للتأويل، في ظل عدم كمال أنظمة الأسلحة مادياً وعدم قدرة
حتى الأسلحة "الذكية" على تحقيق استهداف كامل. ولذلك،
لا يوجد شرط باستعمال الأسلحة الذكية فقط.
وحتى بعد أن أصبح البروتوكول نافذ
المفعول، انتهكت بعض أكثر جيوش العالم تطوراً القانون. فقد وثّقت
منظمة مراقبة حقوق الإنسان في تقريرها المعنون "بيادق مدنية:
قوانين انتهاكات الحرب واستعمال الأسلحة على الحدود اللبنانية
الإسرائيلية" (1996) الأمثلة المتكررة على الهجوم العشوائي
أثناء صراع إسرائيل طويل الأمد مع حزب الله في جنوبي لبنان. فخلال
عملية يوم الحساب التي قامت بها إسرائيل، استهدف الجيش الإسرائيلي
أعضاء حزب الله- سواء كانوا مدنيين أو عسكريين- وبالمثل أقاربهم
والمتعاطفين مع الحزب، وقصف أيضاً قرى بكاملها دون تمييز لأهداف
عسكرية محددة. (لا يد من ملاحظة أن إسرائيل ليست طرفاً في البروتوكول
الأول الصادر سنة 1977 الملحق باتفاقيات جينيف لسنة 1949).
ووقعت هجمات مباشرة على أهداف
مدنية بحتة مثل الهجوم على سوق الخضار للبيع بالجملة في صيدا،
وفي إحدى مراحل العملية حذرت إسرائيل من أنها ستطلق النار على
أية واسطة نقل في نحو عشرين قرية، محولة المنطقة إلى منطقة إطلاق
نار حر. ولكن حزب الله قام أيضاً، في القترة التي سبقت العملية
الإسرائيلية، بإطلاق صواريخ كاتيوشا على إسرائيل، فلم تصب مواقع
عسكرية بل أدت إلى فرار المدنيين الإسرائيليين جنوباً. وكان هذا
أيضاً، انتهاكاً واضحاً لحظر الهجمات العشوائية. وأيضاً، لم يصدر
حزب الله أي تحذير واستعمل أسلحة غير دقيقة بشكل واضح. إضافة إلى
ذلك، تستنتج منظمة مراقبة حقوق الإنسان، أن حزب الله، إذ لم يوجه
أسلحته إلى أهداف عسكرية، يكون قد استعمل أسلحة لترويع السكان
المدنيين. وفي الجوهر، تحول ما بدأ هجوماً عشوائياً إلى هجوم مباشر
استهدف المدنيين- وأيضا، وبكل وضوح، إلى جريمة حرب. أما العذر
الذي استخدمه حزب الله، بأنه كان يطلق النار رداً، فيوضح أنه كان
يهاجم مدنيين اقتصاصاً.
في سنة 1995 وسنة 1996، هاجم حزب
الله وإسرائيل أهدافاً مدنية للطرف الآخر. ففي عملية عناقيد الغضب
لشهر نيسان سنة 1996، ثبت دليل على أن إسرائيل قامت بـ "هجمات
عشوائية وهجمات غير متناسبة ضد المدنيين في ما أصبح مناطق إطلاق
نار حر فعلية في مناطق واسعة من الجنوب" اللبناني، تصاعدت
إلى قصف لمجمع لاجئين سكني أقيم على عجل في موقع للأمم المتحدة
يقع جنوبي صور، حيث قتل ما يقرب من مائة مدني كانوا قد طردوا من
منازلهم. قالت إسرائيل إن حزب الله أطلق عيارات مورتر وصواريخ
كاتيوشا من موقع يبعد ثلاثمائة متر عن موقع الأمم المتحدة. إن
وضع أهداف عسكرية قرب مناطق مكتظة بالمدنيين، أو ما يعرف بالتدريع،
هو أيضاً جريمة حرب، وقوانين النزاع المسلح واضحة عندما تقول إن
المهاجم غير ممنوع من الهجوم على هدف عسكري شرعي لقربه من مدنيين
أو أعيان مدنية. وكما لاحظت منظمة مراقبة حقوق الإنسان عن حق،
بينما لا تجعل أفعال التدريع المنطقة محصنة من الهجوم، فإنها أيضاً
"لا تعطي إسرائيل رخصة لإطلاق نار عشوائي على مناطق واسعة
تضم قاعدة للأمم المتحدة ومراكز مدنية كثيفة" (التأكيد من
عندنا). وبعد يوم من وقوع ذاك الهجوم، أصدرت اللجنة لدولية للصليب
الأحر بياناً "أدانت" فيه "بقوة" القصف الإسرائيلي
لقرية قانا، وكررت بأن الهجمات العشوائية "محظورة بشكل مطلق".
ورغم ذلك، قال مسؤول كبير في الصليب الأحمر بعد تحقيق، إن المشكلة
الحقيقية هنا هي أن النظام الإسرائيلي مصمم ليطلق النار أوتوماتيكياً
رداً على مصدر الهجوم الأصلي. ولذلك لم تتخذ إسرائيل احتياطات
كافية في هجومها لضمان أن لا ينجم عنه وفيات مدنية غير متناسبة.
واستنتج مستشار عسكري للأمم المتحدة، في تقرير صدر سنة 1996، "من
غير المحتمل أن تكون أخطاء تقنية و/ أو إجرائية فادحة ما قاد إلى
قصف مجمع الأمم المتحدة" رغم أن الأخطاء، كما أضاف التقرير
"لا يمكن استبعادها تماماً".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر الحصانة المدنية؛ استهداف المدنيين غير القانوني؛ الأهداف
العسكرية المشروعة؛ الضرورة العسكرية؛ التناسب؛ الدروع البشرية).
أنماط
الهجوم العشوائي
1. هجوم لا يستهدف أهدافاً عسكرية.
(يعرف تعمد إيقاع ضرر بالملكية المدنية بـ "التدمير التعسفي"،
بخاصة إذا كان على نطاق واسع).
2. استخدام أسلحة لا يمكن توجيهها إلى أهداف بدقة.
3. استخدام أسلحة لا يمكن التحكم بنتائجها.
4. هجوم يعامل منطقة ذات كثافة عسكرية ومدنية متشابهة كهدف عسكري
مفرد.
5. هجوم يتوقع أن يوقع أذى بالمدنيين والأهداف المدنية يتجاوز
الميزة العسكرية المتوقعة المحددة المباشرة.