الهجمات الفلسطينية على المدنيين الإسرائيليين

لميا لحود*

كانت الساعة الحادية عشرة والربع من مساء العاشر من شهر تشرين ثاني سنة 2000 عندما رنّ جرس الهاتف في جناح التحرير في قناة التلفزيون الإسرائيلي الثانية في تل أبيب. كان آفي أوهايان، البالغ من العمر 34 عاماً، ومحرر الفيديو في محطة التلفزيون، يعمل إلى وقت متأخر من ذاك المساء. رأى الرقم على شاشة الهاتف، وعرف أن المتصلة زوجته السابقة البالغة من العمر 34 عاماً. فتح مكبر الصوت لتكون يداه حرة تعمل. تذكر آفي ما حصل فقال "كل ما سمعته رجاءها الإبقاء على حياتهما. كان ولديّ ماتان (خمسة أعوام) وناعوم (أربعة أعوام) يصرخان خوفاً، ثم سمعت ضجة عالية ومات الهاتف.

عرفت فوراً أن أمراً مرعباً قد حصل".

يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن مقاتلاً فلسطينياً من مدينة طولكرم الواقعة في شمالي الضفة الغربية تسلل إلى كيبوتس ميتزر وقتل خمسة مدنيين إسرائيليين بمن فيهم زوجة آفي وابنيه. يقع الكيبوتس في الجانب الإسرائيلي من الخط الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، غير بعيد عن طولكرم.

ويبدو أن الهجوم كان مخططاً بشكل جيد. إذ يعتقد مسؤولو الأمن الإسرائيلي أن شريكين للمهاجم قادوه إلى الكيبوتس وانتظروه خارج البوابة في سيارة للهرب.

بدأ الهجوم في نحو الساعة الحادية عشرة مساءً. كانت تيرزا تامير، وهي امرأة في أربعينياتها، تتمشى مع صديقها، بعد العشاء. وفجأة سار رجل مسلح باتجاههما وفتح النار عليهما من بندقية أوتوماتيكية. حاول الاثنان الفرار، إلا إن الرصاصات أصابت تيرزا فماتت على الفور أمام منزل أوهايان. تمكن صديقها من الوصول إلى هاتف وطلب مساعدة. في هذه الأثناء، ، وصل سكرتير الكيبوتس لوردية الليل. أطلق المسلح الفلسطيني النار عليه فمات في سيارته وهي تدخل البوابة. ولا بد أن ريفيتال قد أشعلت الأضواء عندما سمعت صوت إطلاق النار. أخذت الهاتف إلى غرفة نوم طفليها، ومن هناك اتصلت بآفي.

ومن الواضح أن المهاجم عندما رأى الأضواء في المنزل قرر مواصلة هجماته داخل منزل العائلة. في البداية، حاول الدخول من الباب، وعندما وجده مغلقاً، اقتحم المنزل من نافذته. فتح النار عليهم، فقتلهم جميعاً، ومن ثمّ تمكن من الهرب بمساعدة شريكيه، قبل أن تصل الشرطة وقوة أمن الكيبوتس.

ينص البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف بوضوح على: "لا يجوز أن يكون المدنيون بوصفهم هذا وكذا الأشخاص المدنيون محلاً لهجوم. وتحظر أعمال العنف أو التهديد به الرامية أساساً إلى بث الذعر بين السكان المدنيين". وينطبق هذا المنع على حركات التحرر الوطني.

يحاجج تقرير نشرته منظمة مراقبة حقوق الإنسان في شهر تشرين ثاني 2003، بأن الهجمات التي تشنها المنظمات الفلسطينية على المدنيين الإسرائيليين جرائم حرب ضد الإنسانية وأن القانون الإنساني الدولي اليوم يميل إلى تطبيق الحكم على حركات وبالمثل على دول.

تزعم مجموعات فلسطينية أن هدف هجماتهم ضد المدنيين جعل الإسرائيليين يفهمون أنهم سوف يدفعون ثمناً باهظاً في أمن أفرادهم رداً على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة المتواصل.

وتحاجج مجموعة فلسطينية مقاتلة بأن الهجمات ضد المدنيين هي السلاح الفعال الوحيد ضد المحتلين، نظراً لعدم تكافئ الإمكانيات العسكرية.

ولكن، لا يمكن لهده المحاجات جميعاً الصمود أمام القانون الإنساني الدولي. فهو يحمِّل من يأمرون بهجمات على مدنيين وبالمثل من يقومون بها مسؤولية ما يرتكبونه من جرائم حرب، ويؤكد بأن أي قادة لا يفعلون شيئاً لمنع مثل هذه الهجمات ولا يتخذون عقوبات بحق مرتكبيها مسؤولون بشكل غير مباشر عن جرائم الحرب.

أعلن الجناح العسكري لفتح، كتائب الأقصى في طولكرم، مسؤوليته عن الهجوم على كيبوتس ميتزر. وأصدرت المجموعة بياناً تقول فيه إن الهجوم رد على موت الفلسطينيين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي خلال عامي الانتفاضة. هذا وقد اغتالت إسرائيل عدداً من المقاتلين الفلسطينيين الذين تورطوا في هجمات على الإسرائيليين.

تحظر اتفاقيات جينيف الاقتصاص من المدنيين وملكية المدنيين الخاصة في أرض محتلة أومعادية أو أجنبية أو صديقة. ينص البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف عل: "تحظر هجمات الردع على السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين". وبينما ينطبق هذا الحكم على أعمال الاقتصاص الإسرائيلية من الفلسطينيين، فإنه ينطبق أيضاً على الأعمال الفلسطينية ضد الإسرائيليين.

وبعد الهجوم على كيبوتس ميتزر، أخبرني قائد كبير من فتح في الضفة الغربية أن المهاجم الفلسطيني ارتكب خطأً. فقد اعتقد خطأً أن الكيبوتس الواقع في الجانب الإسرائيلي من الخط الفاصل مستوطنة إسرائيلية في الجانب الفلسطيني. وقال مسؤول فتح إن المهاجم قصد قتل مستوطنين.

وحاجج عديد قادة فتح وبعض المسؤولين الفلسطينيين بأن الهجمات على المستوطنين مبررة، لأنهم يحتلون أرضاً فلسطينية. أكثر من ذلك، حاججوا بأن إسرائيل تنتهك اتفاقيات جينيف بنقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. ويقولون إن التبرير الإسرائيلي بأن تشييد هذه المستوطنات إنما هو لغرض أمني يجعلها أهدافاً عسكرية مشروعة. ويسمي الفلسطينيون الهجمات على المستوطنين "أفعال دفاع عن النفس".

منذ سنة 1994، قامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي بعدة هجمات انتحارية يبدو واضحاً أنها تستهدف مدنيين. وقال الشيخ أحمد ياسين، القائد الروحي لحماس، بعد الهجوم الانتحاري على محل سبارو للبيتزا في القدس في شهر آب 2001: "تحمي اتفاقيات جينيف المدنيين في الأراضي المحتلة، وليس المدنيين الذين هم في الحقيقة محتلون. إن كل إسرائيل، بما فيها تل أبيب، هي فلسطين محتلة. ولذا، فإننا بالفعل لا نستهدف مدنيين- سيكون ذلك ضد الإسلام".

لا تصمد جميع هذه الححح أمام النقاش. فالقانون الإنساني الدولي ينص بوضوح على حظر استهداف أي مدني عمداً، بما في ذلك المستوطنين الذين لا يشتركون مباشرة في العمليات القتالية وليسوا جنوداً تحت السلاح عاملين.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وعكس التفكير الإسرائيلي الشائع بشكل واسع، فإن الهجمات الانتحارية بحد ذاتها ليست جريمة حرب إذا كان الهدف المقصود عسكرياً. فالمبدأ الأساسي في اتفاقيات جينيف ينص على أن قتل مدنيين محظور. ومفتاح فهم المسألة هو التركيز على الهدف وليس ما إذا خطط المهاجم الانتحار أثناء العملية أم لا.

تنص المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف على: "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية".

وعدم التوازن في الإمكانيات ليس تبريراً للهجمات على المدنيين أيضاً. فقد قُصد أن تغطي المادة الرابعة من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف حروب التحرير الوطني. ففي معظم هذه الحروب تقريباً يوجد لا توازن واضح في الإمكانيات العسكرية بين حركة التحرير والدولة المحتلة.

ينص البروتوكول على أن جميع مبادئه وأحكامه تغطي: "المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية وذلك في ممارستها لحق الشعوب في تقرير المصير...".

إن قادة المجموعات التي ترسل انتحاريين أو رجالاً مسلحين لقتل مدنيين، وبالمثل المنفذين مسؤولون مباشرة ويمكن أن يحاكموا لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من قبل محكمة الجنايات الدولية.

يعرف نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية الذي أصبح ساري المفعول في الأول من تموز سنة 2002، الجرائم ضد الإنسانية بأنها أي فعل "ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم" و "الارتكاب المتكرر للأفعال... ضد أية مجموعة من السكان المدنيين عملاً بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم".

وتعتقد منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن "مقدمة النظام تعرّف "سياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم" لتعني أن الدولة أو المنظمة أيدت أو شجعت مثل تلك الهجمات على سكان مدنيين. وذاك يعني أن القادة الفلسطينيين الذين يأمرون بهجمات على مدنيين يمكن أن يحاكموا بتهمة جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية. وفي بعض الحالات يحمِّل القانون الإنساني الدولي القادة مسؤولية أعمال مرؤوسيهم، ليس فقط في المنظمات العسكرية فحسب، بل أيضاً في الأجهزة المدنية.

دانت السلطة الفلسطينية الهجمات على مدنيين إسرائيليين. إلا إن الإسرائيليين يصرون على أنها تتردد في اتخاذ أي إجراء ضد من يرتكبونها وأخفق في منع هذه الهجمات، في الأقل منذ انطلاقة الانتفاضة في شهر أيلول سنة 2000.


*لميا لحود مراسلة لليومية الإسرائيلية جيروزالم بوست.

 




This site © Crimes of War Project 1999-2003