الجرائم
ضد السلم
ستيفن آر. راتنر*
إن الجرائم ضد السلم، كما وصفتها
محكمة نورمبرغ لسنة 1946، "أكبر الجرائم الدولية، ولا تختلف
عن جرائم حرب أخرى إلا في كونها تضم في ذاتها شر الكُل المتراكم".
وإذ عُرفت أيضاً بأنها جريمة العدوان،
شكلت الجرائم ضد السلم أول تهمة ضد النازيين في ميثاق المحكمة
العسكرية الدولية لسنة 1945 في نورمبرغ. يعرف الميثاق هذه الجرائم
بأنها "التخطيط والتحضير والمبادرة لخوض حرب عداونية، أو
لحرب تنتهك المعاهدات أو الاتفاقات أوالضمانات، أو الاشتراك في
خطة عامة أو مؤامرة [لفعل ذلك]". والجرائم ضد السلم ليست
جرائم حرب بحد ذاتها، فجرائم الحرب تعني تصرفاً غير شرعي أثناء
الحرب.
كانت فكرة اتهام النازيين بجريمة
البدء بالحرب العالمية الثانية خلافية في ذلك الوقت، وظلت كذلك
منذئذ. فعند الأمريكيين كانت االجرائم ضد السلم جريمة النازيين
الرئيسية، أما جنائية الحرب العدوانية فتترك للقانون الدولي. ولكن
بدء حرب لم يعتبر جرماً إلى ذلك الوقت. فاتفاق كيلوج- برياند لسنة
1928 الذي حرّم الحرب قانونياً (دون نجاح كبير، إن قلنا أقل ما
يمكن)، وصف العدوان بأنه فقط عمل غير قانوني تقوم به الدول، وليس
عملاً جنائياً يمكن محاكمة الأفراد على أساسه. وقاوم الفرنسيون
المفهوم لهذا السبب؛ أما السوفيات، فكانوا قلقين من تجريم حربهم
العدوانية على فنلندا واحتلالهم لها وإلحاقهم أجزاء من بولندا.
وساد الرأي الأمريكي رغم أن سلطة المحكمة القضائية ظلت مقتصرة
على عدوان دول المحور، الأمر الذي قاد إلى إدانة نازيين قياديين
لارتكابهم جرائم ضد السلم. بعد ذلك، اشتعل جدال عنيف في الدوائر
القانونية حول ما إذا كان الحلفاء قد طبقوا القانون الجنائي بأثر
رجعي أم لا.
ورغم أن هيئات الأمم المتحدة أعادت
تأكيد أهمية الجرائم ضد السلم منذ الحرب العالمية الثانية، لاحظ
أعضاء الأمم المتحدة- وبخاصة منهم الدول الغربية- وجود عقبات جادة
تقف أمام محاكمة الأفراد. فأولاً، يظل وجود تعريف للعدوان محدد
بما يكفي لمقاضاة المسؤولين الحكوميين أمراً مراوغاً. وثانياً،
بما إن الحروب عادة ما تخطط من قبل عدة أشخاص في بيروقراطيات الدولة،
فإن رسم خط تفصل المذنب عن البريء قد يكون صعباً. وثالثاً، يمكن
للقضايا الجنائية أن تشمل تحقيقات فعلية معقدة مثقلة بالسياسة
لا تناسب المحاكم، وتتطلب حوادث أخرى إنعام نظر أكثر احتراساً.
تَمثّل أحد أكثر تعبيرات هذا القلق
وضوحاً في عدم استعداد مجلس الأمن منح محكمة الأمم المتحدة ليوغسلافيا
سلطة قضائية على هذه الجريمة. وآخر كان قرار الدول التي وضعت نظام
روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية عدم منح المحكمة سلطة قضائية
على الجرائم ضد السلم إلا إذا عدلت الدول رسمياً النظام الأساسي
لتضيف إليه تعريفاً للجريمة وشروطاً لممارسة السلطة القضائية.
وهكذا، تبدو الدول وكأنها تقول إن العدوان جريمة مجردة، ولكنها
مترددة في مقاضاتها. ولا يزال لمفهوم الجرائم ضد السلم بعض التأثير
على القانون الدولي، لأن الدول تريد الاعتراف بلا قانونية العدوان
بأشد طريقة- بإعلان أن القادة يمكن أن يحاسبوا عليه. ولكن الآفاق
المعتمة لاحتمال مقاضاة أي أحد منهم فعلاً تجعل الحصانة هي القاعدة
والجرائم ضد السلم، إلى حد ما، رسالة ميتة.
ـــــــــــــــــــ
(انظر الجرائم ضد الإنسانية؛ جرائم الحرب).