القانون العرفي

ثيودور ميرون*

يعتبر القانون العرفي، مع المعاهدات، أحد المصادر أو المكونات الأساسية للقانون الإنساني الدولي. وهو نتيجة ممارسة دول عامة متواصلة تطبقها لحسها بالالتزام القانوني. وأكثر المعايير- المبادئ أو القواعد- وضوحاً وأهمية وذا صفة عرفية هو معيار إلزام الدول غير الأطراف بالمعاهدة التي أُشهر فيها. وطبعاً، ليس ما يلزم مثل تلك الدول أحكام المعاهدة، بل المعيار العرفي ذو المضمون المطابق. والقانون العرفي مهم أيضاً لأنه يشمل أموراً لا تغطيها معاهدات القانون الإنساني بشكل كافٍ. ولأن المعيار عرفٌ فإنه مهم أيضاً لقواعد التفسير المطبقة، وقد تكون له نتيجة مفيدة في تقييد قدرة الدول على إبداء تحفظات على معاهدات القانون الإنساني الدولي ذات المضمون القانوني العرفي الرفيع أو إدانتها. ولا تستطيع دولة التهرب من واجبها الذي يفرض عليها إطاعة قانون دولي عام. فالاعتراف بأن أية معاهدة من معاهدات القانون الإنساني الدولي تُشهَرُ قانوناً عرفياً، يقوي مطلب المجتمع الدولي الأخلاقي بالتقيد به، وذلك بالتشديد على طابعه الأخلاقي وتجذره العميق في قيم المجتمع.

وليست القرارات المستندة إلى القانون الإنساني العرفي التي اتخذت في محاكمة يوغسلافيا السابقة في لاهاي إلا وريثة خطيّة للقرارات التي اتخذت في محاكمات نورمبرغ. ففي نورمبرغ ولاهاي، استندت المحاكمات أساساً، وهي تتخذ قراراتها، إلى إيمان الدول بأن مبادئ معينة ملزمة قانونياً، قبل استنادها إلى ممارساتها. وكانت هذه القرارات مفيدة للوصول إلى رأي شامل في القانون العرفي. فالمحاكم والمحاكمات تميل إلى الاعتماد ليس على الممارسة في أرض المعركة بل على بيانات حرفية تعبر فيها الدول أو المؤسسات (من مثل أجهزة الأمم المتحدة) عن دعمها لمبادئ القانون الإنساني الدولي. فرغم أنها تتمسك بالشرطين الأساسيين التوأمين التقليديين (الممارسة والإيمان السيكولوجي بأن مثل تلك الممارسة ملزمة قانونياً) في تشكيل القانون الإنساني العرفي، فإنها بالنتيجة تُرجح البيانات كدليل على الممارسة وكمنطوق للإيمان السيكولوجي، وهذا أمر مهم جداً في تشكيل القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان. ويساعد التشديد على العنصر السيكولوجي في التعويض عن ندرة الممارسة المساندة.

أما كيف يجب التعامل مع الانتهاكات فمسألة لا تزال مهمة. تظهر المصادر الأكاديمية والقضائية تردداً- بسبب الممارسة المعاكسة- في رفض اعتبار القواعد التي يستحق محتواها موقعاً قانونياً عرفياً معايير عرفية، ربما لأنها تدرك أن المبادئ الإنسانية تعبر عن قيم المجتمع الأساسية، ولأنها جوهرية للحفاظ على النظام العام. وكثيراً ما لا تعتبر حتي انتهاكات متكررة نفياً للقانون العرفي، طالما أنه تم الرد عليها بالاحتجاجات والإدانات من قبل دول أو منظمات دولية أخرى، وطالما أن الدولة المتهمة إما أنها أنكرت حقيقة تصرفها موضع الشك أو لجأت إلى الاستثناءات أو التبريرات الموجودة في القاعدة نفسها.

ويوجد سند قضائي أكاديمي مهم، توافق عليه أيضاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ويقول إن الأحكام الموجودة في اتفاقيات جينيف الأربع لسنة 1949 لحماية ضحايا الحرب وفي اتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 الخاصة بقوانين الحرب البرية وأعرافها (ما عدا الأحكام الإدارية والتقنية واللوجستية) تعكس قانوناً عرفياً. ومن المعترف به أيضاً بشكل واسع بأن عديد، وربما معظم، الأحكام والمبادئ والقواعد الموجودة في البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 الملحق باتفاقيات جينيف، وبعض، وربما معظم، الأحكام الموجودة في البروتوكول الثاني تعكس قانوناً عرفياً. وتعتبر عدة أحاكام ذات صلة بأنواع الأسلحة، وبخاصة الحظر المفروض على استعمال الأسلحة الكيماوية، أحكاماً عرفية.

هذا وقد أُدمج التأكيد على أهمية القانون العرفي في عديد معاهدات القانون الإنساني الدولي، وبخاصة منها ما يدعى "جملة مارتنز" التي سميت باسم صائغها فيودور دو ماتنز، مستشار وزارة الخارجية الروسية في بداية القرن العشرين. فهذه الجملة التي أُدرجت أولاً في ديباجة اتفاقية لاهاي الثانية لسنة 1799، توفر حداً أدنى للمعاملة الإنسانية من قبل العسكريين، حتى في غياب لغة تعاهدية محددة. تقول الجملة "إلى أن يصدر نظام كامل لقوانين الحرب، تعتقد الأطراف السامية المتعاقدة بأن من حقها التأكيد على أن السكان والعسكريين يظلون، في الحالات غير المشمولة بالترتيبات التي تبنوها، في حماية وملكوت مبادئ القانون الدولي التي استقيت من الأعراف المتعارف عليها بين الأمم المتمدنة والقوانين الإنسانية ومتطلبات الضمير العام".

ومن المحتمل أن تعترف دراسة لقواعد القانون الإنساني الدولي، قامت بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخراً، بعديد قواعد القانون الإنساني الدولي الإضافية القابلة للتطبيق في النزاعات المسلحة الدولية، وبخاصة في النزاعات المسلحة غير الدولية، كقانون عرفي. ويقنن نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية عديد قواعد ومبادئ القانون الدولي كقانون جنائي عرفي.

وفي أي نقاش للقانون العرفي، لا يجب غض النظر عن أن اتفاقيات جينيف نالت مصادقة عامة وأن البروتوكول الإضافي نال عديد المصادقات. وبالنسبة للدول الأطراف في معاهدات القانون الإنساني الدولي، تعتبر جميع أحكام المعاهدة، سواء عكست قانوناً عرفياً أم لا، ملزمة طبعاً. ورغم ذلك، يُعتبر القانون العرفي، في القانون القومي لعدة بلدان، جزءاً من دستور البلد. وباعتباره كذلك، قد تكون نداءات ضحايا انتهاكات القانون الإنساني الدولي، أو قانون حقوق الإنسان، هي التي استحضرته.


* ثيودور ميرون أستاذ بلقب تشارلس إل. دنسون في كلية القانون بجامعة نيويورك، وعضو لجنة خبراء القانون العرفي في اللجنة الدولية للصلييب الأحمر، وكان عضو وفد الولايات المتحدة إلى مؤتمر روما حول محكمة الجنايات الدولية. وهو مؤلف "حقوق الإنسان والمعايير الإنسانية باعتبارها قانوناً عرفياً" (منشورات جامعة أكسفورد، 1991) و"قيود دموية: الحرب والفروسية عند شكسبير" (منشورات جامعة أكسفورد، 1998).





This site © Crimes of War Project 1999-2003