القانون
الإنساني الدولي: لمحة
لورنس فشلر*
يمكن للعدالة أن تكون أشياء كثيرة
هذه الأيام في محكمة جرائم الحرب اليوغسلافية في لاهاي إلا أن
يكون تحققها، بلا جدال، سريعاً. أحياناً يمكن أن تبدو سرعة الإجراءات
في غرفة الاستماع للشهادات الرئيسية في المحكمة- وهي مقصورة متوهجة،
تعمها الأضواء، مستقبلية تقريباً بتكنولوجيتها، ومكبسلة خلف زجاج
مضاد للرصاص- ديكنزية تماماً. إذ تميل الإجراءات إلى الترنح إلى
الأمام ثم ما تلبث أن تتلكأ في أجمة خلافات قانونية حول التفاصيل،
وثمّ صباحات لا يستطيع فيها حتى أكثر العقول تركيزاً إلا أن يسرح.
وفي أحد مثل هذه الصباحات وجدت
انتباهي يتجول في كتاب تاريخ أحضرته معي تحسباً- رغم أنه عن هولندا
وليس عن يوغسلافيا. كنت أقرأ عن أبكر مراحل توطن هولندا في سبخات
ومستنقعات الأراضي المنخفضة الواقعة شمالي دلتا نهر الراين، وتلك
قطعة من الأرض منخفضة جداً، تعرضت بانتظام لفيضانات مأساوية. ولذلك،
لم يكن مفاجئاً تماماً معرفة أن سهل الفيضانات الطيني هذا ظل بعامة
غير مستوطن لقرون عديدة، وأن الغارات المؤقتة الأولى لاستيطان
جاد فيه لم تبدأ إلا في نحو العام 800 عندما بنت جماعات صغيرة
من الناس مجموعات من الأكواخ المتقلقلة فوق روابي روكمت اصطناعياً،
تعرف باسم التِربات.
وبمرور الأجيال، جمعت بعض هذه
التِربات معاً بممرات مرتفعة خدمت كطرق مواصلات وكسدود حماية.
وللمناسبة، ثبت أن أي مثلث معطى، لنقل، من هذه الطرق المرتفعة
التي تجمع معاً ثلاث تِربات نائية معاً، قادراً على وقاية الأرض
الواقعة ضمنه من الفيضان الخارجي، ولكن ذاك الأمر قاد إلى مشكلة
جديدة: ما الذي يمكن فعله بكل الأمطار والمياه الأرضية التي احتجزت
وأسنت في المحبس؟ وثقت المحاولات الأولى لنزح الماء من هذه الرقع
الضارة من المستنقعات، أو ما يدعى بولدرات [البولدر قطعة أرض مستصلحة
من البحر]، في زمن مبكر يعود إلى سنة 1150، إلا إن الاختراق الحقيقي
جاء مع ظهور الطواحين الهوائية في القرنين الخامس عشر وبخاصة السادس
عشر. وفي آخر الأمر، تم نشر "عدة" دزينات من طواحين
الهواء، تقوم كل واحدة منها بالتناوب برفع ماء المستنقع الآسن
بضع بوصات إلى الأعلى وفوق الطرق المرتفعة ومن ثم إلى شبكة الري
المحيطة وقنوات الإبحار. وهكذا استصلح بولدر بعد بولدر- مئات وآلاف-
وراهناً مئات الآلاف من إيكرات خصوبتها غير مألوفة في عملية مستمرة
إلى هذا اليوم.
نصف مستمع إلى دندنة المحاكمة
الجارية، أدركت فجأة، بمعنى ما، كيف إن القضاة والمدعين والمحققين،
هناك في لاهاي، قد وضعوا لأنفسهم تحدياً إصلاحيا مشابهاً رائعاً.
فقد قام رئيس المحكمة المؤسس وقاضيها الرئيسي، الإيطالي أنتونيو
كاسيسي؛ ومدعيها العام المؤسس، جنوب الأفريقي رتشارد غولدستون؛
وبديله الكندية لويز آربر، بعملهم، باستمرار، بمحاولة صد الدورة
التاريخية من فيضانات إراقة الدم العرقي التي تؤثر راهناً على
أمكنة من مثل يوغوسلافيا السابقة أو راوندا، المكان الآخر الذي
انتدبت المحكمة له. في كلا المكانين، أصر هؤلاء الحقوقيون باستمرار،
على أن النزوع إلى الفوضى العرقية ليس وبائياً ولا حتمياً. فكما
أكد القاضي غولدستون "لمعظم تاريخهم العظيم، عاش الكروات
والصرب والمسلمون، التوتسيون والهوتيون، في سلام نسبي مع بعضهم
بعضاً، وكانت العلاقات بينهم جيدة نسبياً إلى الوقت الراهن. مثل
هذا العنف العرقي المتبادل يقوم بتذكيته أفراد مصممون على الحصول
على مزايا سياسية أو مادية فورية، ومن يستدعون بعد ذلك إرثاً سابقاً
لم تتم معالجة مظلمته ... إنهم هم، وليس الجماعة ككل، من يجب تحميلهم
المسؤولية، بتقديم دليل واضح مفصل بدقة، وبالضبط حتى لا يكون أي
أحد قادراً على الادعاء بأن جميع الصرب فعلوا هذا- أو جميع الكروات
أو جميع الهوتيين- حتى يكون الناس قادرين على رؤية أن أفراداّ
محددون في جماعاتهم من يسعون دائماً لاستغلالهم بذلك الأسلوب.
وإنني أؤمن حقاً بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لكسر الدورة".
وفي هذا الإطار، بدا لي أن كل
واحد من هذه المحاكمات يشبه متراساً منفرداً، تِرباً ملقياً فوق
مستنقعات ما بعد الحرب الأخلاقية- كما بدا لي مشروع المحاكمة نظاماً
من السدود والخراطيم والمضخات وطواحين الهواء والقنوات يعيد لكلا
المنطقتين إمكانية انبعاث روح خصبة.
غير إن المحكمتين لم تكونا مجرد
محاولة لاستعادة مثل تلك الإمكانية ليوغسلافيا وراوندا فقط. جالساً
هناك في صالة المشاهدين في المحكمة، تذكرت أن الحقوقيين القدماء
رأوا أنه إذا كان القانون الدولي موجوداً في لحظة القانون الغائبة،
فإن قانون الحرب موجود، بشكل أقوى، في لحظة القانون الدولي الغائبة؛
وخطر ببالي كيف أنه هناك، في مناطق الحدود السبخة المترامية، كان
هؤلاء القضاة والمحامون والمحققون، والدبلوماسيون الذين وجدوا
المناسبة الراهنة صالحة لأعمالهم، ومراقبو حقوق الإنسان، و(نعم)
الصحفيون الذين جمعوا جاهدين (وفي الأغلب بمخاطرة كبيرة) النتف
والقطع الأولية المطلوبة لهذا المسعى، منخرطين جميعاً- حقيقة فحقيقة،
شهادة فشهادة، قضية فقضية- في آخر مثال لمحاولة توسيع أرض القانون
نفسه، هذه المحاولة المغيظة المساومة التي كانت أحياناً مترددة
مقلقة، ودامت عقوداً.
أقول "دامت عقوداً"،
ولكن الناس في الحقيقة عملوا في هذه الأرض الحدودية لقرون بل لألفيات.
فأرض المستنقعات التي يضيف إليها الرواد الحاليون أسسهم الأولية
الجديدة بالكاد أرضاً بكراً، ولطالما واجهوا خرائب جهود أسبق خضلة،
تحصينات بدت وكأنها صمدت لزمن ولكنها انهارت بعد ذلك وتحتاج إلى
إعادة فهم. ونفخر، نحن المعاصرون، بمعاهداتنا ومؤتمراتنا وإعلاناتنا
وبروتوكولاتنا المختلفة، كما لو كنا أول من تصور أبداً تلك الخطة
غير المعقولة والذكية في آن معاً- (وضع القيود الإنسانية، أخيراً،
على ممارسة الحرب نفسها)- ولكن قبل قرون وضعت فعلاً أنظمة كاملة
(النتاج الجزئي لحوارات مدروسة بعناية خاضها مفكرون من أوغسطين
إلى أكويناس). خذ، على سبيل المثال، قواعد الفروسية الرائعة في
أوروبا القرون الوسطى (أو، بالمقابل، مبادئ الساموراي في يابان
التوكوغاوا): الطريقة التي يجب التعامل على أساسها مع كل شيء،
من شروط التحذير المناسبة، إلى السلوك في أرض المعركة ومعاملة
غير العسكريين، وحماية الأسرى ومسؤوليات المنتصر بعد استسلام خصمه،
اشتُرطت جميعاً بدقة وكثيراً ما روعيت، بدورها، بصرامة للخوف من
ضياع شرف الفروسية (وكان هذا خزي، في بعض الحالات، أكثر مرارة
من الهزيمة نفسها). وطبعاً كان لهذه المبادئ قيودها. فعلى سبيل
المثال، وفي حالة الفروسية، مالت هذه المبادئ إلى الاستناد إلى
العلاقات المباشرة (وجهاً لوجه) اللائقة بين العسكريين (باعتبار
هذه العلاقات نتاج شروط الفدية وبالقدر نفسه شروط الرحمة) ولذا
فشلت في البقاء عندما ظهرت المدفعية والذخائر في أرض المعركة.
أبعد من ذلك، ارتبطت المبادئ بأفكار النبالة المسيحية، ولذا مالت
إلى التخلي عنها عندما شملت الحرب خصوماً غير مسيحيين، كما حصل
في الحروب الصليبية التي لا توصف بشاعتها. وعندما بدأ العالم المسيحي
نفسه بالتفكك، في مستهل الإصلاح البروتستانتي، بدأ المسيحيون يعاملون
بعضهم بعضاً كهراطقة وثنيين. فالحروب الدينية التي خرّبت اوروبا
القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت من أكثر الحروب رعباً وفوضى
على مدى الأزمنة، وظهر معظم التنظير المبكر لما أصبح يعرف بقانون
الحرب المعاصر (من غروتيوس إلى مونتان وروسو) في ظل تلك الفوضى
المرعبة غير المحدودة.
ويُعتقد بعامة أن آخر حملة لحبك
ووضع نظام إنساني قانوني دولي (أي قانون حرب، يحكم العلاقات بين
القوات المحاربة وبين هذه القوات وغير المحاربين في أوقات النزاع
العسكري- في ما يعارض مبدأ حقوق الإنسان الأعم، والذي فهم على
أنه ينطبق على الناس جميعاً في كل الأوقات) قد انطلقت في منتصف
القرن التاسع عشر، جزئياً كرد على التزايد الأسّي في الفوضى الناجمة
عن تلاقي التجنيد الإلزامي بالتقدم التكنولوجي. وعلى سبيل المثال،
هلك خلال حرب القرم لسنة 1854 ثمانون ألف فرد من أفراد القوة البريطانية
الفرنسية السريعة التي بلغ عدد أفرادها 000، 300 ، في ظروف من
الفوضى والمعاناة مريعة. وبعد خمسة أعوام، في شهر حزيران 1859،
عندما اشتبك جيش نمساوي هائل مع قوة إيطالية فرنسية في معركة سولفرينو،
مات ما يقرب من أربعين ألفاً خلال بضعة أيام فقط، وهلك معظمهم
لعدم معالجة جراحهم. جان- هنري دونان رجل أعمال سويسري شاب، اتفق
له أن شاهد المشهد، فـ "ملكه الرعب والشقفة" إلى حد
كرس معه بقية حياته للتعامل مع مثل هذا الوضع المروع. أسس دونان
اللجنة الدولية للصليب الأحمر سنة 1863 ومن ثم عقد مؤتمراً دولياً
تأوج في اتفاقية جينيف لسنة 1864 "لتحسين أوضاع الجرحى في
الجيوش في أرض المعركة". وخلال هذه الأعوام نفسها، في أمريكا،
حيث كانت الحرب الأهلية تشتعل، قام الرئيس إبراهام لنكولن، وهو
يتطلع إلى السلام الذي لا بد قادم، بتكليف أستاذ نيويوركي، فرانسيس
ليبر، بتحضير مسودة لقواعد الاشتباك العسكري، وبخاصة فيما يتعلق
بمعاملة أسرى الحرب؛ وكان لمبدأ ليبر، الذي أعلن لنكولن فوراً
أنه ملزم لجميع قوات الاتحاد، أن يكون ذا أثر عميق في علميات تقنين
لاحقة.
ولم يستطع القانون الإنساني الدولي،
كما تطور خلال القرن اللاحق، الوصول إلى قرار حول مسألة قانونية
الحرب نفسها. بكلمات أخرى، اقترض القانون أن الحرب أمر معطى وسعى
إلى توجيه تجاوزاتها فقط. ولمدة طويلة، كانت مساراته الأساسية
التي حدثت على أساسها هذه العملية، مرتبطة بمدينتين- لاهاي، حيث
مال مؤتمران عقدا سنة 1899 و1907 إلى التركيز على إدارة الحرب
(الأسلحة المسموح بها وما شابه ذلك)؛ وجينيف، حيث طَوَّرت مؤتمرات
أخرى، عقدت بدعم من عصبة الأمم سنة 1925 واللجنة الدولية للصليب
الأحمر سنة 1949 و1949 و1977، عمل مؤتمر 1864. وفي الأغلب، مالت
هذه المؤتمرات إلى التعامل مع الإرث المسمم للحرب السابقة التي
وقعت لتوها. وعلى سبيل المثال، حظر بروتوكول جينيف لسنة 1925 استخدام
الغازات السامة والأسلحة البيولوجية. وتعاملت اتفاقيات جينيف الأربع
لسنة 1949، على التوالي، مع الجرحى والمرضى براً؛ الجرحى والمرضى
بجراً ومنكوبو البحار؛ أسرى الحرب؛ وما هو أهم، ربما، مصير المدنيين
غير العسكريين. وتناول مؤتمر عقد في لاهاي سنة 1954 النصب التذكارية.
ومن بين أمور أخرى، وسّع بروتوكولان أضيفا إلى اتفاقيات جينيف
لسنة 1949 وصدرا سنة 1977، ثمرتان لماراثون وضع مسودات دام لثلاثة
أعوام، جزئياً تعابير مؤتمرات سابقة عن النزاعات الدولية لتطال
حروب التحرير الوطنية والحروب الأهلية. واستطلعت محاكمات نورمبرغ
للقادة النازيين (وإلى حد أقل محاكمات طوكيو للمسؤولين اليابانيين)
مجالاً جديداً مع تطور فكرة الـ "جرائم ضد الإنسانية"،
مجالاً رُسخ أكثر سنة 1947 مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة لمنع
جريمة الإبادة والعقاب عليها.
وباختصار، شهد النصف الأخير من
القرن التاسع عشر والقرن العشرين مشروعاً رائعاً من التوسع البناء
هناك عند الأرض الحدودية اللامتناهية. وبالفعل، تعتبر متاريس وسدود
وحصون القانون الإنساني الدولي المترابطة أعجوبة من أعاجيب عصرنا
الحقيقية- إنجازاً مدهشاً ملهماً لأجيال من الحقوقيين المحترفين
والدبلوماسيين. ودلّ نصبهم الرائع، في أفضل الأحوال، على فاعلية
معتدلة. فالاستحكامات المسامية تراخت ورشحت وبدا أنها أصبحت عرضة
لانهيارات دورية. فرغم أن المؤتمرات والمبادئ تكشف غنى شاملاً
جليلاً ، كان ما افتُقد، على الأقل إلى وقتنا الراهن، أية وسيلة
فعالة لوضع معاييرها الجليلة موضع التنفيذ، وبالتحديد اعتبار الأفراد
مسؤولين جنائياً عن انتهاكاتهم، أمام ضحاياهم وأمام المجتمع الدولي
بأسره. صحيح أن مثل تلك المقاضاة الفردية شكلت جوهر محاكمات نورمبرغ
وطوكيو، ولكنها كانت، جدلاً، حالات من عدالة المنتصر، ولم تحصل
أية محاكمات أخرى شبيهة لما يقرب من خمسين عاماً بعد ذلك. طبعاً
رفعت قضايا داخلية وطنية ضد انتهاكات حقوق الإنسان بعد انهيار
الدكتاتوريات في اليونان والأرجنتين وأثيوبيا، ورفعت قضايا تم
أثناءها الحكم على حكومات بعينها بانتهاك معايير حقوق إنسان متنوعة:
تركيا، هندوراس، الأورغواي.
إلا إن إطار القانون الإنساني
الدولي الواسع ظل بعامة صامتاً، مشلولاً جزئياً لخوف معظم النخب
القومية الحاكمة- وبخاصة القيادات المتعاقبة لأعضاء مجلس الأمن
الخمسة الدائمين، أكثر من يستطيع استحضار هذه المعايير- من تحول
وهج مثل ذاك الاهتمام، ذات يوم، إلى أفعالهم هم. (في الولايات
المتحدة الأمريكية طالما اتخذ فحوى هذا القلق شكل جزم قلق يقول
"حسب ذاك المنطق كان يمكن لهنري كيسنجر أن يكون عرضة للمسؤولية
عن قصف هانوي [عاصمة فيتنام] يوم عيد الميلاد).
على هذه الخلفية، جاء الترنح المفاجئ
إلى الأمام بتأسيس المحكمتين الجنائيتين المرتجلتين حول يوغسلافيا
ورواندا في منتصف التسعينيات من القرن العشرين صدفة بالفعل (أخذاً
بعين الاعتبار أعواماً وأعواماً من محاولات كسب التأييد التي قام
بها نشطاء ومحامو حقوق الإنسان الملتزمون لإقرار المسؤولية الدولية
ووضع نهاية للحصانة الفردية)، إذ إن تأسيسهما ربما جاء أساساً
نتيجة رد فعل الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن المبالغ بها
والمذعورة، الخجلين من مشهد فشلهم الذريع بالقيام بأي عمل لاحق
لوقف المذبحة نفسها حين كانت واقعة. (بهذه الطريقة يمكن رؤيتهم،
على الأقل، بأنهم يفعلون شيئاً ما). وما أن تم تشكيل المحكمتين
حتى بدا أن عديد الخمسة الدائمين الذين أدركوا خطأهم يعيدون التفكير
في المشروع بأكمله. عطلوا تعيين النائب العام الدائم لأكثر من
عام ومن ثم فرضوا كل أنواع القيود الإجرائية والمالية على عمل
فعال لمحكمة يوغسلافيا. وبخاصة، ولمدة طويلة، أمرت قوة حفظ السلام
على الأرض بأن تنحني متراجعة لتجنب مواجهة مجرمي الحرب المتهمين
بوضوح في وسطهم، ناهيك عن اعتقالهم. ورغم ذلك، وبشكل ما، استمرت
المحاكمات رغم وجود خلافات كبيرة.
وما هو أكثر أهمية من ذلك ربما،
رغم أن المحاكمتين كانتا مرتجلتين، بدا أنهما توسعان أرض الممكن
على طول حدود الممارسة الإنسانية الدولية القانونية. وفي تلك الأثناء،
ولدهشة الجميع، بدا أن بدايات تأسيس محكمة جنائية دولية دائمة
قد اتخذت شكلاً، وبخاصة في صيف 1998 في روما، حيث توسط مؤتمر دبلوماسي
دولي لعقد معاهدة تدعو لتأسيس نوع متواضع، وحقاً مساوم، من مثل
هذه المحكمة، رغم أنها ما زالت، ويا للدهشة، نسخة واهية لمثل تلك
المحكمة (رغم أن الولايات المتحدة التي كانت في البداية واحدة
من أكثر المدافعين ضراوة عن محكمة دائمة، بدا أنها أصبحت جافلة
من جديد لأنها أدركت أن المعاهدة ستهدد سيادتها واحتجت، في الأقل،
عليها بداية).
وفجأة، خلافاً لأي شيء رآه أي
شخص خلال ما يقرب من خمسين عاماً، ظهرت كل أنواع النشاط المحدد
هناك عند الأرض الحدودية اللامتناهية.
على هذه الخلفية، طرحت جماعة من
الصحفيين الدوليين- عديدهم مراسلون حربيون قديمون- فكرة إصدار
هذا المرشد الذي تحمله بين يديك. فرغم أنهم، لأعوام طويلة، شهدوا
الكثير من جرائم الحرب، كما عُرّفت تقنياً، وأرسلوا تقارير عنها،
إلا إنهم فعلوا ذلك دون أي توقع محدد بأن منفذي تلك الجرائم سيقدمون
أبداً للعدالة. لا، وما هو أشد من ذلك، أنهم فعلوا ما فعلوه بما
يقرب من الثقة بأن المنفذين، كما العادة، سيحصلون على البراءة،
وأن نظام الحصانة سيظل دون انتهاك.
ورغم ذلك، بدت تلك الحال المؤسفة
من الظروف تتغير فجأة. أصبح من المهم ما إذا كان هناك أو لم يكن،
لنقل، بندقية أوتوماتيكية مخبأة تحت عارضة من عوارض ذاك المستشفى،
أو مدفعاً في ساحتها. وسيكون مهماً ما إذا كانت القوات المسلحة
تصطحب طابور اللاجئين الفارين من ذاك الحصن المنهار، أو إذا كان
المدافعون قد رفعوا علماً أبيض وحاولوا الاستسلام عندما أطلقت
النار عليهم فقتلوا. وبفضل عملهم، قد يجد المراسلون الحربيون أنفسهم
بين أول الشهود الخارجيين على جرائم الحرب وهي ترتكب في لحظتها.
وباعتبارهم كذلك، يحتاجون أن يكونوا شهوداً عليمين، ومن ثم تحتاج
بقيتنا أن تصبح جمهوراً عليماً ملتزماً.
ومن هنا هذا الكتاب.