تقديم
لكتاب جرائم الحرب
الدكتورة حنان عشراوي*
أصبح تعبيرا "جرائم الحرب"
و"مجرمي الحرب" جزءاَ من معجم الشرق الأوسط. فقد جعل
غياب نظام قانوني عالمي وافتقار إرادة دولية للسلام مسألة محاكمة
مجرمي الحرب مستقبلاً واحدة من الخيارات الوحيدة الباقية غير العنيفة
بين أيدي غير القادرين على سلوك أية طريقة أخرى للتعامل مع انتهاكات
حقوقهم الإنسانية.
وإذ أظهر المجتمع الدولي دعماً قوياً لمحاكمة مجرمي الحرب من أنحاء
عديدة في العالم (سواء أتوا من أوروبا الشرقية أو أفريقيا)، لا
يزال الشرق الأوسط غائباً من خريطة أية محكمة جرائم حرب. ورغم
ذلك، يجب أن تحاسب إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال، طبقاً لاتفاقية
جينيف الرابعة ومواثيق واتفاقيات دولية أخرى ذات صلة.
فعلى سبيل المثال، فإن العقوبات
الجماعية التي توقعها إسرائيل بالفلسطينيين (سواء كانت على شكل
هدم منازل أو إغلاقات أو حظر تجول) انتهاك لهذه الاتفاقية. وبالمثل،
تعتبر الهجمات على المدنيين وسيارات الإسعاف والصحفيين انتهاكات
أخرى.
إلى ذلك، يعتبر أي عنف موجه ضد
المدنيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة التي قام بها المسلحون الفلسطينيون
ضد المدنيين الإسرائيليين، انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي.
ومن بين جميع فقرات اتفاقية جينيف
الرابعة التي تنظم سلوك دولة الاحتلال، فإن أكثر الانتهاكات وضوحاً
هو نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة. ولذا، تعتبر نشاطات
إسرائيل الاستيطانية المتواصلة في الأراضي المحتلة أوضح انتهاك
مستمر للقانون الإنساني الدولي. ورغم أن اتفاقيات واتفاقات دولية
(وحتى بيانات أمريكية) اعتبرت المستوطنات مراراً "غير قانونية"
و"عقبة في طريق السلام" إلا إنه سُمح لإسرائيل بمواصلة
بناء المستوطنات، دون أية رقابة على دعمها مالياً أو توسعها.
ومن جهتها، رفضت إسرائيل، في تناقض
مع كل تفسيرات البلدان الأخرى تقريباً، أن تطبق بشكل كامل اتفاقيات
جينيف على المناطق التي تحتلها منذ شهر حزيران 1967 وتعتبرها مناطق
متنازع عليها وليست محتلة.
والمسألة الحقيقة هنا مسألة وضع
الاتفاقيات موضع التنفيذ. فانتهاكات اتفاقية جينيف الرابعة يجب
أن تتوقف. وليس هذا الأمر مقتصراً على فلسطين وإسرائيل، إذ يجب
النظر إلى المسألة في إطارها الدولي العام.
ويتطلب النظام القانوني العالمي
أيضاً أن يفهم المواطن المتوسط قوانين الحرب ويحملها ويقاتل من
أجل التقيد بها، وأن لا يعتمد في ذلك على السياسيين والجنرالات
والمحامين. إن عديد جرائم الحرب تشرح وتبرر بشكل خاطئ، بينما توسم
عديد الأعمال الحربية جرائم حرب دون سند قانوني. و"جرائم
الحرب" مرشد يحاول شرح هذا الخط الرفيع الفاصل بين المفهومين
السابقين. وفي هذا الإطار، تجب تهنئة محرري هذا الكتاب لتزويدهم
الجمهور بهذه الأمثلة الدولية الواضحة عما هي جرائم الحرب وكيف
يمكن التعرف عليها. ويشكل تقديم طبعة عربية لهذا الكتاب (بما فيها
من مقالات إضافية وشروحات) إضافة للكثيرين في هذا الجزء من العالم
الذين كثيراً ما يخلطون بين المفهومين بشكل خاطئ. ودون شك، سوف
يستفيد الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان والجمهور بعامة بشكل
كبير من الأمثلة المحلية والإقليمية والدولية العديدة التي يقدمها
هذا الكتاب لجرائم حرب محددة.
ورغم أهمية معرفة ما هي جريمة الحرب
ومن ثمّ توثيقها، يظل على عاتق المجتمع الدولي منح قراراته أسناناً.
وأيضاً، يقع على عاتق الموقعين على اتفاقيات جينيف تطبيق الفقرات
ذات الصلة في هذه الوثيقة المهمة التي تتطلب وضع نهاية للانتهاكات
الصارخة المتكررة لحقوق شعب يرزح تحت الاحتلال. يجب احترام القانون
الإنساني الدولي وتطبيقة دولياً بغض النظر عن هوية مرتكب الجريمة
أو هوية الضحايا.