التحقيق
القانوني الطبي في جرائم الحرب
ديفد رود*
بينما كانت دزينة من المصورين والمراسلين
تنتطر قلقة خطوة الفريق الأولى، التقط جون جيرنز، وهو محقق شرعي،
قضيب حديد طوله ستة أقدام وشكله شكل حرف T من شاحنة بك أب بهدوء.
فأخيراً وصل جيرنز وفريق من محققي محكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا
السابقة إلى مرج رعوي في لازيت، البوسنا.
وكان هيورم سولجك، وهو مسلم بوسني
يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، قد أخبر المحققين أنه بالكاد
نجا من الإعدام الجماعي لمئات من مسلمي البوسنا هنا على يد جنود
صرب البوسنا في شهر تموز 1995. وبعد الإعدامات المدعاة بتسعة شهور،
تبرعمت زهور برية متنوعة الأشكال والألوان فوق ما قال سولجك إنه
قبر جماعي.
واقفاً عند طرف المرج، استخدم
جيرنز ثقل وزنة ليدفع المجس في الأرض. متوقفاً للحظة ليلتقط أنفاسه،
سحب العصا من التربة ببطء وفعل شيئاً حيّر عديد الصحفيين. شمّ
جيرنز رأس العصا. قيل للصحفيين لاحقاً إن المحقق الشرعي يحاول
التأكد من أن التربة تحمل رائحة لحم بشري متعفن.
كان الحفر في لازيت المرحلة الأخيرة
من تحقيق قانوني طبي، تحقيق في موت يمكن أن يقع في زمن السلم أو
الحرب. ففي معظم الأنظمة القضائية الجنائية، عندما يتعرض فرد لوفاة
عنيفة أو مشبوهة أو غير مشهودة، يجري تحقيق قانوني طبي لمعرفة
الظروف المحيطة بوفاته.
يبدأ التحقيق بمراكمة أمارات ما
قبل الوفاة وما بعدها. وعندما تكتمل، يتم وضع وثيقة قانونية، وأساساً
شهادة وفاة تعرّف بالفقيد و، قدر المستطاع، سبب الوفاة وأسلوبها.
ويمكن أن تكون التحقيقات القانونية
الطبية تحقيقات في احتمال استخدام التعذيب أو الأسلحة الكيماوية.
وقد يفحص الخبراء سجناء أو معتقلين سابقين للبحث عن علامات تعذيب،
أو لاجئين نجوا من هجمات بالأسلحة الكيماوية.
في لازيت، قدم المرج بهدوئه المضلل
للمحققين في جرائم الحرب فرصة لتقرير أنماط مختلفة من الأدلة-
في هذه الحالة، لإثبات إذا كان قائد جيش صرب البوسنا مسؤولاً عن
إعدام جماعي.
أعطى هيورم سولجك الذي نجا من
المجزرة بالاختباء أسفل جسد رفيق سجن، المحققين بياناً محلفاً
يقول إنه شاهد قائد جيش صرب البوسنا الجنرال راتكو ملادك يشرف
على إعدامات لازيت. وجد المحققون معالم قرب المرج، من مثل مدرسة
وخطوط سكة حديد وافقت بيان سولجك. ولكن المحققين احتاجوا العثور
على أجساد وتقرير سبب وفاة الضحايا لتأكيد تقريره.
قاد وليام هاغلند، وهو أنثروبولوجي
شرعي أمريكي، الفريق في ذاك اليوم. وشمل فريق المحققين، كما في
كل تحقيق طبي في زمن السلم، خيراء من حقول معرفية متنوعة، من مثل
علم الأمراض وعلم الأشعة وعلم الآثار وعلم الأسنان.
وحالما بدأ الحفر، سرعان ما ملّ
الصحفيون من تقدمه الحذر البطيء. رسم المحققون خريطة للمرج وصوروه
قبل الحفر. وكلما عُثر على غطاء رصاصة أو عظمة أو جسد كلما ألصقت
عليها رقعة تدل عليها، وصورت ووضعت في كيس بلاستيكي. وتماماً كما
في حالة جرم مدني، يمكن لأي دليل، مهما كان مغرياً، أن يلقى به
بعيداً أو يرفض في المحكمة إن جمع بشكل خاطئ.
فإذا كان للمحققين أن يجروا تحقيقاً
صحيحاً، فعليهم اتباع تعليمات "الوجيز في المنع الفعال للإعدامات
اللاقانونية والتعسفية والفورية والتحقيق فيها"، المعروف
أيضاً بـ "بروتوكول منيسوتا" وتم تبنيه من قبل الأمم
المتحدة سنة 1992. يُفصِّل الوجيز كيفية القيام بكل خطوة من خطوات
التحقيق القانوني الطبي، من جمع أدلة ما قبل الوفاة، كالسجلات
الطبية وصور الأشعة، إلى التشريح.
كانت النتائج في لازيت وقبور جماعية
أخرى في التلال المحيطة بسربرينكا مُدينة. فقد انتشلت 164 جثة
من القبور. وكانت أيدي عديد الضحايا موثقة خلف ظهورهم وعصبت أعينهم.
وأشارت القطع الفنية الدينية وأشياء أخرى عثر عليها على أجسادهم
أنهم مسلمون بوسنيون. ومع نهاية سنة 1997، تم التعرف على إحدى
الجثث، بناء على تحليل الحمض النووي، وكانت لرجل فرّ من سربرينكا
في صيف 1995.
ثبت أن تقرير سولجك صحيح، ولكن
أكثر الأدلة التي يقشعر البدن لها كانت صورة في جيب قميص أحد الضحايا.
امرأة باسمة، من الواضح أنها زوجة الضحية أو صديقته، تحملق من
الصورة التي مزقت رصاصة منتصفها.