الملكية
الثقافية والنصب التاريخية
بيتر ماس*
كان المسجد في طريقه إلى الموت.
وطبعاً، لم يحدد موعد إعدامه، إلا إن مسجد فرهاد باشا كان يعيش
أواخر أيامه عندما عبرتُ بوابته الأمامية في صيف 1992. فقد سيطر
الصرب القوميون على بانجا لوكا وقطعوا طريقاً طويلاً في تدمير
رموز الثقافة الإسلامية كلها، ولكن أي رمز منها لم يكن بتاريخية
وأهمية مسجد فرهاد باشا الذي بني سنة 1583، أثناء الحكم العثماني.
كان المسجد واحداً من أقدم المساجد
في البوسنا وأجملها، ولذلك تعرض لخطر أكبر من الخطر الذي تعرضت
له حفنة من المسلمين الخائفين الذين أنهوا لتوهم صلاة العصر. قال
أحدهم لي "نعم، سأتحدث إليك". وأضاف "لكن أرجوك،
يجب أن نترك هذا المكان الآن". نجا المسجد لأربعة قرون من
القتنة البلقانية، ولكن من الأفضل الآن عدم البقاء تحت ظلاله اليائسة.
بعد بضعة أشهر، في السابع من شهر
آيار 1992، استيقظ الناس الذين عاشوا قرب المسجد من نومهم على
صوت انفجار جعل الأرض تهتز تحت منازلهم. فجرت ألغام مضادة للدبابات
تحت أسس البناية القديمة، محولة إياها إلى ركام حُمل بعيداً إلى
مكبّ سري. وكل ما تبقى بقعة أرض مسودة. تمنى "المطهرون العرقيون"
أن تدمير القلب الروحي للمسلمين سيدفعهم إلى ترك منازلهم وعدم
العودة أبداً. حصل هذا التدمير في جميع أنحاء البوسنا، وتحول مسجد
بعد مسجد إلى حصى. ومع كل انفجار ارتكبت جريمة حرب.
تعود الأحكام الدولية التي تحمي
الملكية الثقافية من الضرر والسرقة إلى الحرب الأهلية الأمريكية.
فقد أدت مذابح تلك الحرب إلى ظهور مبدأ ليبر لسنة 1863 الذي منح
وضع الحماية للمكتبات والكتب العلمية والأعمال الفنية. انطبق المبدأ
على القوات الأمريكية فقط، إلا إنه أثّر على سلاسل من الاتفاقات
الدولية التي جعلت من الممكن الوصول إلى اتفاقية حماية المكية
الثقافية لسنة 1954. إن تعريف الاتفاقية للملكية الثقافية واسع،
يشمل نصباً هندسية مهمة، أعمالاً فنية، كتباً أو وثائق ذات أهمية
فنية أو تاريخية، متاحف، مكتبات كبيرة، أراشيف، مواقع أثرية، ومبانٍ
تاريخية. وتعززت الاتفاقية بالبروتوكول الإضافي لسنة 1977 الذي
تحظر مادته الثالثة والخمسون "أية أفعال معادية موجهة ضد
النصب التاريخية أو الأعمال الفنية أو أمكنة العبادة التي تشكل
إرث الشعوب الثقافي أو الروحي". ومن المهم ملاحظة أن البروتوكول
اعترف بالحماية من تدمير أشكال أخرى من الملكية المدنية غير المرتبطة
بأعمال أو استخدامات عسكرية.
وتحظر المادة 53 أيضاً استخدام
الملكية الثقافية "دعماً لجهد عسكري"- على سبيل المثال،
استخدام بناية قومية تاريخية كمركز قيادي. وفي مثل هذه الحالات
ليس بالضرورة أن يعتبر تدمير ملكية ثقافية أو إيقاع ضرر بها جريمة
حرب. فاتفاقية 1954 تقول بإمكانية مخالفة الالتزام بعدم إيقاع
الضرر بالملكية الثقافية "فقط في الحالات التي تتطلب فيها
الضرورة العسكرية الواضحة تلك المخالفة". لم يُعرَّف تعبير
"الضرورةالعسكرية" في الاتفاقية، رغم إمكانية انطبافه،
على سبيل المثال، على كنيسة أصابها ضرر أثناء قصف على مصنع أسلحة
مجاور، أو على متحف لأنه استعمل مستودع أسلحة.
كانت محاكمات نورمبرغ التي جرت
بعد الحرب العالمية الثانية العلامة الأولى على تحميل أفراد مسؤولية
جرائم حرب ثقافية. فقد حكم على عدة مسؤولين نازيين بالموت لارتكابهم
انتهاكات متنوعة شملت تدمير الملكية الثقافية. بعد تلك السابقة،
أصبحت محكمة جرائم الحرب اليوغسلافية مخولة بمحاكمة أفراد مسؤولين
عن "مصادرة أو تدمير أو تعمد إلحاق ضرر بمؤسسات مكرسة للدين
أو الخير أو التعليم، الفنون والعلوم، النصب التاريخية وأعمال
الفن والعلم". ورغم ذلك، لا تحدد الاتفاقيات الخاصة بجرائم
الحرب الثقافية العقوبات التي يجب اتخاذها ضد الانتهاكات.
وبسهولة، يمكن اعتبار تدمير مسجد
فرهاد باشا جريمة حرب. ففي ذلك الوقت، كانت بنجا لوكا تحت سيطرة
الصرب السياسية والعسكرية القوية، ولم يكن أي قتال يجري في المدينة
أو في المنطقة المجاورة لها مباشرة. وطبعاً، لا يمكن اعتبار المسجد
هدفاً عسكرياً؛ فقد استخدمه المسلمون الذين بقوا في بنجا لوكا
مكاناً للعبادة فقط. ورغم ذلك دمر.