التدخل
الإنساني
ديفد ريف*
في عزّ حصار سراييفو، عندما كانت
مئات القذائف تضرب العاصمة البوسنية كل يوم، اعتقد عديدون هناك
أنهم لن ينجوا. فباستمرار تم اعتراض جسر الأمم المتحدة الجوي،
الذي وفر المواد الغذائية لعديد الذين كانوا سيجوعون لو لم يتم،
من قبل القوات الصربية التي كانت تقصف مدرج المطار مراراً وتكراراً.
وبينما كانت الشهور تتحول إلى أعوام ولم يرفع الحصار، بدا لأهل
سراييفو ولعديد الأجانب المتعاطفين معهم، أن المدينة ستدمر إن
لم يتم نوع من التدخل الخارجي.
سألتني ممثلة تعمل في مسرح سراييفو
القومي في شهر كانون ثاني 1993، "كيف تستطيعون في الغرب السماح
لهذا الأمر بالاستمرار؟" وأضافت "أسناني تسقط، الأكزما
تغطي جلدي، لم استحم لشهور، وأنا إنسانة منعمة بمقاييس هذه البلدة.
إنني لا أعرف شخصاً واحداً في الخارج يفهم حقاً ما يجري هنا؛ تعتقدون
جميعاً أننا شعب بلقاني متوحش نجري وراء شهوتنا العرقية القديمة
للدم. طبعاً هذا كلام فارغ تماماً. ولكن حتى إذا كان ذاك ما تعتقدون،
حتى وإن لم تأتوا لمساعدتنا لأن الحق إلى جانبنا، لم لا تستطيعون
مساعدتنا لأسباب إنسانية؟ لم لا تستطيعون أن توقفوا الحصار على
الأقل؟"
فوق رأسينا، كأنها ترقص الباليه،
مرت نفاثة في سماء بعد الظهر. كانت نفاثة للناتو تقوم بمهمة استطلاع
روتينية. ابتسمت الممثلة وقالت "لو تستطيع الغوص وإلقاء بضع
قنابل لاستطعت الاستحمام".
كانت محقة بشأن الخبل الذي أثر
على معظم الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية وهم يفكرون
بالبوسنا. كان الذين اعتقدوا بضرورة مساعدة حكومة البوسنا لأنها
محقة أقلية صغيرة دائماً، حتى بين من آمنوا بضرورة استعمال العنف
لإنهاء التطهير العرقي وحصار سراييفو. وكان من الشائع سماع حجة
مفادها أن ما يجري مرعب بما يكفي، بكل بساطة، لوقفه، وإذا كان
ضرورياً استعمال وسائل عسكرية فلتستعمل. بكلمات أخرى، ما كان معقولاً
لدى الأغلبية العظمى ممن اهتموا بالوسنا- وكانوا حتى في عزّ المذبحة
نسبة صغيرة من الجمهور الغربي- ليس تدخلاً سياسياً بل تدخلاً لا
بد منه لأسباب إنسانية فقط.
وفي النهاية، عندما أجبر القتل
الجماعي لسبعة آلاف رجل وصبي مسلم في سربرنيكا الدول الغربية على
العمل، فعلت ذلك لا لعزم سياسي على استعادة دولة بوسنية موحدة
بل لدافع إنساني. استنتج القادة الغربيون أخيراً بأنه لا يمكن
السماح لسفك الدماء والذبح أن يستمرا.
والتدخل الإنساني فكرة فعالة ممتازة
وغامضة جداً في الآن نفسه. إذ لا يوجد تعريف قانوني رسمي له، ولكن
قاعدته الجوهرية هي أن من حق الدول الخارجية، وربما في بعض الظروف
من واجبها، التدخل لحماية أناس يقعون ضحايا في بلدان أخرى، حتى
وإن كان ما يحصل نزاعاً داخل دولة. وفي حين كانت التدخلات الكلاسيكية
ذات صفة سياسية وتشمل تدخل دولة إما لفرض إرادتها بالقوة على دولة
أخرى أو لمساعدة دولة أخرى (وبذلك، ولأغراض عملية، لا تتحدى الفكرة
القديمة القائلة بحرمة سيادة الدولة)، فإن التدخلات الإنسانية
تعني تحدياً مباشراً لمثل تلك الأفكار عن السيادة. والأمر صحيح
بخاصة في تدخلات مباشرة في الشؤون الداخلية لدولة مفردة. وبمعنى
أعمق، تتجاوز هذه التدخلات اعتبارات صحة أو عدم صحة نزاع ما سياسياً.
فما يهم، من منظور الدولة أو مجموعة الدول التي تفكر بالتدخل الإنساني،
أثر النزاع على المدنيين.
ويتمثل نموذج على هذا النوع من
التفكير في الجدال الذي دار سنة 1996 حول اقتراح كندي بالتدخل
الإنساني في ما كان آنذاك زائير الشرقية لحماية ملايين اللاجئين
الهوتيين الذين كانوا يتعرضون لخطر هجمات القوات الراوندية التي
يقودها التوتسيون ولخطر مد وجزر الحرب الأهلية الزائيرية. حاجج
الكنديون بأن حقوق السكان المدنيين تفوق وزناً أية اعتبارات أخرى،
بما فيها الأثر الذي قد يتركه مثل ذاك التدخل الإنساني على الصراع
السياسي الذي كان دائراً آنذاك في زائير. وكان الذين حاججوا ضد
التدخل يقولون عملياً إن الضرورات الإنسانية وحدها لا تبرر مثل
ذاك التدخل الخارجي. وحاجج آخرون أيضاً محذرين من أن التنبؤ بأثر
التدخل العسكري الإنساني على المدى البعيد مليء هو نفسه بالشك.
وباعتباره مسألة خاضعة للقانون
الدولي، يظل التدخل الإنساني أمراً يتعلق على نحو صرف بالأولويات
السياسية للشخص الذي يحاجج. ويبدو أن من المقبول بعامة أن باستطاعة
مجلس الأمن إعلان أن أي شيء يرغب فيه "تهديداً للسلام والأمن
الدوليين"، دون خضوع لأية قيود قانونية موضوعية أصيلة بل
فقط لحق الفيتو السياسي الذي يتمتع به الأعضاء الدائمون. فقراراته
يشكلها الراي العام والنشطاء الدوليون والسي. إن. إن واعتبارات
أعضاء مجلس الأمن السياسية، وبالمثل قوانين وسياسيات أعم وأكثر
مبدئية. والقفزة في القانون الإنساني الدولي من الأحكام التي تهتم
بإيصال المعونة الإنسانية إلى الأحكام الخاصة بالتدخل العسكري
قفزة طويلة، إلا إنها ليست طويلة ليقفزها أصحاب الدوافع السياسية.
ففي الممارسة، طالما استخدم التدخل
الإنساني تبريراً للتدخل في نزاع لا يتمتع بدعم محلي لمزيد من
التدخلات السياسية الصريحة. فقد ثبت بشكل ملحوظ أن الجمهور في
أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، رغم كل الحديث عن التعب من الشفقة،
متعاطف مع استخدام القوة لتجنب مصيبة إنسانية أو إيقافها عند حدها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يزال التدخل الإنساني تبريراً لدوافع
سياسية أخرى. ففي رواندا، سنة 1994، افتُرض بعامة أن التدخل الإنساني
الفرنسي الذي دعي بالعملية الفيروزية استخدم الإلحاحية الإنسانية
غطاءً لقرار فرنسا الاستمرار في محاولة التأثير على الأحداث في
منطقة بحيرات أفريقيا الكبرى بالقوة العسكرية و، بشكل خاص، لإنقاذ
الحكومة المدعومة فرنسياً، رغم سياسة الإبادة التي تتبعها. وتاريخياً،
بُررت عديد الحملات الإمبريالية التي شنتها الدول الاستعمارية
الأوروبية في القرن التاسع عشر على أسس إنسانية.
واليوم، أصبحت التدخلات الإنسانية
بعامة بنات أفكار بيروقراطيي الأمم المتحدة ومنظمات الغوث الإنسانية
غير القادرين على العمل بأمان في مناطق النزاع. فقد أصبحت هذه
المجموعات بعضاً من أكثر التدخليين حماسة. وحتى جعل مسؤول إنساني
فرنسي، برنار كوشنر، نظرية الأكاديمي الفرنسي ماريو بتاي عن "حق
التدخل" أكثر شعبية. هذه مسألة، ومسألة أخرى مختلفة كلياً،
طبعاً، أن يكون الناس مستعدين للاستجابة بالطريقة نفسها إذا اصبح
الثمن الذي يجب أن يدفع، مالاً وحياة جنود، باهظاً. ويعود هذا
الأمر جزئياً إلى أن السياسيين الغربيين يصفون التدخلات الإنسانية
روتينياً، وفي الأغلب بشكل سخيف، بأنها آمنة. وعندما يصبح هذا
الأمن زائفاً، كما في عملية الأمم المتحدة التي قادتها الولايات
المتحدة الأمريكية في الصومال، يتصاعد الضغط لإجهاض التدخلات الإنسانية
بسرعة ويصبح، عادة، عصياً على المقاومة سياسياً.
في القانون الدولي، لا تزال الحرب
بين سيادة الدولة والتزام بلدان أخرى بالحفاظ على السلم والأمن
الدوليين مستمرة بين أخذ ورد. في الممارسة، كسبت القكرة القائلة
إن مبدأ سيادة الدولة أصبح بكل بساطة، على الأقل في ما يسمى البدان
المنهارة، غير مهم وأن حاجات الناس أكثر أهمية، وغدت نقطة انطلاق
مشتركة لنقاشات تدور حول ما يجب عمله في أوضاع تتسم بمعاناة بشرية
هائلة وبأفق قليل لغوث سريع. تلك هي الطريقة التي قُُدم بها التدخل
الأمريكي في الصومال إلى الجمهور الأمريكي، والكيفية التي عرض
بها الكنديون اقتراحهم للتدخل في زائير الشرقية. فعندما ترتفع
أثمان التدخلات الإنسانية، يظل استعداد دول أجنبية للتدخل لحماية
الناس من الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً
أو لتقديم الغوث لهم سؤالاً مطروحاً. ولكن التدخل الإنساني يظل
فكرة جذابة جداً للعديدين، وفي غياب أي نظام حقيقي للأمن الدولي
أو تحويل حقيقي للسلطة إلى مؤسسات ما فوق قومية مثل الأمم المتحدة،
من المحتمل أن يظل قائماً وإن من دون حماسة.