السلب

توماس غولتز*

كان السلب ولا يزال ملمحاً من ملامح كل نزاع تقريباً منذ الأزمنة القديمة. ولكنه قلما نفذ بالكفاءة القاسية التي نفذ بها أثناء الحرب بين الانفصاليين الأبخاز والحكومة الجديدة في جورجيا سنة 1992 وسنة 1993. وأحد أسباب النزاع الذي تفجر إلى حرب هو الكمية المذهلة من المواد التي سلبتها مخيدريوني، وهي مجموعة مليشيات شبه حكومية بقيادة لورد الحرب جابا أيوزلياني، والحرس الوطني الذي يترأسه تنجز كيتوفاني.

فقد طلب "الفرسان البيض" والحرس القومي من طائرات بكاملها شحن تلفزيونات وراديوهات وثلاجات وسجاد وكراسٍ مسروقة إلى خارج العاصمة الأبخازية سوخومي. ورد الأبخاز الجورجيون على ذلك برفوش عندما تمكنوا من طرد ليس قوات "الدفاع" الجورجية من أراضيهم في نهاية شهر أيلول 1993 فحسب، بل وأيضاً معظم السكان الجورجيين الذين يعيشون في المنطقة. فكل الأشياء التي تركوها خلفهم أصبحت لعبة عادلة بين من يريدون الاستيلاء عليها- سيارات وأدوات كهربائية منزلية ومؤن مطابخ، وأي شيء تقع عليه أيديهم.

ورغم أن ممارسة السلب في نزاع قد حظر منذ قرن تقريباً، فإن قلة من البلدان مستثناة من التهمة. تقول اتقافية لاهاي لسنة 1907 "إن سلب بلدة أو مكان، حتى وإن تم احتلاله بهجوم، محظور". وقبل اتفاقية لاهاي، كان النهب بعامة مقبولاً مبرراً بعد هجوم، للتعويض عن المخاطر والخسائر التي نجمت عن تلك الطريقة في الفتح. وفي الممارسة، كثيراً ما صعُب التمييز بين السلب بعد هجوم ومصادرة الغذاء من الفلاحين لإطعام الجيش. وعنى ظهور طرق جديدة لحفظ الطعام، بما فيها التعليب في القرن التاسع علشر، أن الجيوش تستطيع حمل مؤنها، مما يسمح بوضع حدود لمصادرة الطعام وللسلب.

ورغم ذلك، فإن المصادرة- أخذ الضروريات من السكان ليستعملها جيش احتلال- أمر قانوني. ويجب أن تتم المصادرة بأمر من القائد المحلي، وأن تكون متناسبة مع ما يمكن للمنطقة توفيره، وأن تأخذ بالحسبان حاجات السكان، وأن تكون من طبيعة لا تتطلب من السكان المشاركة في عمليات عسكرية ضد بلدهم. والبضائع المصادرة "يجب، قدر الإمكان، دفع أثمانها بمال نقدي؛ وإن لم يكن ذلك ممكناً، يجب الإقرار بتسلمها". ورغم ذلك، تخضع البضائع التي تنتجها قوات جيش العدو "لقوانين الحرب وأعرافها"، أي يمكن الاستيلاء عليها كغنيمة.

تختزل اتفاقيات جينيف لسنة 1949 المنع إلى ثلاث كلمات: "إن السلب محظور". ومصادرة المواد الغذائية والطبية أمر مسموح به فقط لاستخدام قوات الاحتلال والموظفين الإداريين، وفقط "بعد أن يأخذ بالحسبان متطلبات السكان المدنيين". وتتطلب الاتفاقيات أيضاً دفع قيمة عادلة للبضائع المصادرة، ووضع قيود محددة على مصادرة المنشآت الطبية.

ورغم أن منع السلب أكثر ما يلاحظً عند خرق القانون في النزاعات المعاصرة، كانت الأمور أسوأ قبل تقنين القانون؛ وتشهد متاحف أوروبا العظيمة على مدى السلب الهائل أثناء حروب القرون الماضية. وفي عديد الحروب التي تلت نهاية الحرب الباردة، تحول السلب إلى ملمح أساسي من ملامح النزاع. فقد نهب الجيش العراقي الكويت وهو ينسحب من ذاك البلد تحت ضغط عملية عاصفة الصحراء في مطلع سنة 1991، وشلّحت المنظمات شبه العسكرية الصربية كرواتيا والبوسنا والهرسك من كل البضائع المنقولة الخاصة، مسيجية إياها في بلغراد ونوفي ساد.

وليس كل تجريد من الملكية سلباً. فبعد مدة ليست طويلة من إعادة الجيش الأذربيجاني سيطرته على شمالي كراباخ في صيف 1992 وقضائه على الانفصال في ذاك الجزء من الجيب الأرمني، شاهدتُ شاحنات النفط الأذرية تتوقف عند مخازن البراندي في المدن المحتلة، فتفرغ محتوياتها في الشاحنات، ومن ثم تبتعد. قال السائقون لي إن البراندي سوف يباع لصالح الأرامل والأيتام، ولكنه استخدم كثيراً كوقود للمركبات العسكرية. وليس بعيداً عن هذا المشهد، تدحرجت ببطء عربات تجرها الخيول، كومت فوقها ثلاجات وأفران ولوازم سمكرة متنوعة، في المناطق الريفية، ناقلة محتوياتها من القرى المحترقة إلى أسواق في أمكنة أخرى.

وانتقلت ثروات الحرب إلى أمكنة أخرى، فبعد تسعة شهور، وبعد أن استولى الأرمن على مقاطعة كلباجار الأذرية، مرّ زميل بريطاني يزور ستباناكرت التي أعلنت نفسها عاصمة للمقاطعة المنفصلة، بسوق كبيرة لبيع "الثلاجات والتلفزيونات المستعملة". وبدأ الأرمن بالخلع المنظم للأبواب والنوافذ وهم ينتقلون من بيت إلى بيت في المدن الأذرية المحتلة من مثل أجام وفزولي وزانجيلان.

قد لا يكون إفراغ البراندي، بخاصة حين استخدمه الأرمن العطشى للوقود، سلباً. فمن المؤكد تقريباً أنه كان ملكية عامة، ويمكن للأذريين أن يزعموا أنهم الدولة. وللدولة حق إعلان حالة الطوارئ أو قانون الطوارئ ومصادرة البضائع الضرورية لبقاء السكان المدنيين. وبالفعل، إذا استعمل في الجهد الحربي، مثلما استعمل وقوداً للدبابات، كان البراندي المستولى عليه غنيمة حرب مشروعة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاستيلاء على الثلاجات والتلفزيونات والنوافذ والأبواب من دون شك حالة من حالات السلب، لأنها سُرقت من منازل مدنية خاصة ولم تصادر بتدابير عسكرية منظمة لأي غرض عسكري ملائم. والمبدأ العام أن أية بضائع يتم الاستيلاء عليها، في نزاع دولي، دون إجراء منظم، تكون مسلوبة؛ وفي النزاع الداخلي، وكي يتم تقرير ما إذا كان جيش قد سلب، من المهم معرفة أولاً ما إذا كانت البضائع ملكية خاصة أو ملكية دولة. وإذا زعم الطرف الداخلي بأنه حكومة المنطقة، فله الحق بالمطالبة بالبضائع التي تمتلكها الدولة.


* توماس غولتز صحفي ومحاضر في شؤون المرحلة ما بعد السوفياتية والشؤون التركية. وهو مؤلف "يوميات أذربيجان" (منشورات إم. إي. شيب، 1998) و"قداس لجمهورية محتملة: صعود جمهورية أذربيجان السوفياتية السابقة ووفاتها" (منشورات إزيس، استنبول, 1994).




This site © Crimes of War Project 1999-2003