التدمير التعسفي

جيريمي بوين*

يدا لنا أن التلة المنخفضة الواقعة عند أحد أطراف غروزني أكثر أمناً بقليل. أردنا تجنب تكرار ما حدث أمس، عندما أمسكت بنا غارة جوية روسية في مركز المدينة. فقد تمددت بحمى جدار صغير، آملاً أن يغطي معطفي القصير رجلاي وظهري، منتظراً أن يتوقف انفجار القنابل الانشطارية. وعلى بعد نحو مائة ياردة مني، قتلت قطع قنبلة جميع الشيشان الأربعة الذين كنت أجري معهم مقابلة قبل نحو دقيقة. لم يشعر أي أحد منا في فريق البي. بي. سي. أنه محظوظ كثيراً قبل الغارة الجوية. شعرنا الآن أننا ملحوظين، مثلنا مثل كل شخص آخر في غروزني في الأيام القليلة الأولى من سنة 1995.

وقفنا فوق التلة، نصور، عن بعد معقول، النيران التي أشعلها القصف الروسي. ومن ثمّ، انفجارات جديدة، وبدأ لهب النار والدخان يتصاعد من وسط غروزني. قد أكون وقعت على ظهري لفورة أدرنالين أو لخوف، لكن ذاكرتي تقول لي إن الأرض اهتزت وإن الانفجار تذبذب في أحشائي. وخلال الثواني القليلة اللاحقة، تحرك خط اللهب والدخان على طول آفنيو المدينة الرئيسي الذي يبدأ من ساحة مينوتكا وينتهي بمبنى البرلمان الشيشاني. كان هجوماً واسعاً منسقاً بالمدفعية ومدافع الصواريخ المتعددة التي شاهدتها في الجانب الروسي من خطوط القتال. وصعب علي تصديق أن أحداً سينجو من هذا الجحيم. اختفت غروزني تحت سحب لهب ودخان جديدة، فخرجنا بأشرطتنا.

عدت إلى وسط غروزني معظم أيام كانون الثاني ذاك. وقعت هجمات روسية عديدة. دمرت عمارات مبنية من الإسمنت والحديد، على الطريقة الروسية، حارة فحارة. وفي الأسابيع القليلة التي تلت إصدار الرئيس بوريس يلتسن أوامره إلى قواته بإنهاء التمرد الشيشاني، سوّى الروس وسط المدينة بسطح الأرض. كان تدمير المدينة أكثر اكتمالاً من أي شيء شاهدته في يوغسلافيا السابقة (بما في ذلك موستار وفوكوفار) وفي ستة حروب أخرى.

تنص قوانين الحرب على وجوب أن يحاول أي مهاجم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين وممتلكاتهم. فإن لم يفعل، يكون مذنباً بجريمة حرب هي جريمة الهجوم العشوائي. وإذا نجم عن الهجوم ضرر مفرط غير ضروري متعمد يكون أيضاً مذنباً بالتدمير التعسفي. فالتناسب كل شيء. وتعترف القوانين بأنه يمكن لعملية عسكرية مشروعة أن تقتل غير عسكريين أو تلحق الضرر بممتلكاتهم. ولكن لا يجب أن يكون أي ضرر مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة المحددة المباشرة.

ورغم وضوح القوانين، كثيراً ما يكون تطبيقها غير واضح. ففي محاكمات نورمبرغ، اتُهم هرمان غورنغ، وزير سلاح الجو الألماني، وجميع مجرمي الحرب الأساسيين بـ"تدمير البلدات تدميراً لا تبرره ضرورة عسكرية، منتهكين بذلك قوانين الحرب". إلا إن التهم لم تتابع، ربما لأنهم اتهموا أيضاً بمدى واسع من جرائم أخرى ولأن الحلفاء لم يريدوا لفت الانتباه لحملات القصف التي قاموا بها في ألمانيا واليابان.

وفي غروزني، يمكن لروسيا أن تشير إلى إن مجموعات المقاتلين الشيشان الصغيرة كانت تتحرك في المدينة بحرية تقريباً، متوجهين إلى خط المواجهة الأساسي حيث كانوا يقتلون مئات من المجندين الروس. جاء القصف الذي شهدته بعد إخفاق ذريع لقوة دبابات روسية في اختراق مركز المدينة. وقد تجادل روسيا بأن القصف كان الطريقة الأفضل والوحيدة للتغلب على الشيشان المحبطين جداً.

وإذا كانت غروزني نفسها حالة غامضة حسب قوانين الحرب، فثمّ أمثلة أخرى واضحة جداً. المشهد مفترق طرق على طريق غروزني الرئيسي. كان اللاجئون يتدفقون من المدينة في وجه الهجوم الروسي، وكان التجار قد أقاموا أكشاكاً حديدية لبيع المشروبات والطعام لمن يملك المال. كان بإمكانك سماع ضجيج القصف آتياً من غروزني. وأحياناً طارت طائرات حربية روسية فوق المنطقة في طريقها لقصف المدينة. وفوق وسط المنطقة، حامت مروحية روسية فضية دون حراك تقريباً فوق إحدى القرى. وبين حين وآخر كانت تطلق صاروخاً على القرية، حيث قاوم الشيشان مقاومة عنيدة.

كانت الحرب في كل مكان، إلا إن مفترق الطرق بدا قصياً. لم أشاهد المقاتلين الشيشان يستخدمونه أبداً. كانت أقرب الجسور على بعد ثلاثة أرباع ميل، ونسف سلاح الجو واحداً منها.

ولكن ذات صباح من شهر كانون ثاني 1995، هاجمت طائرات حربية روسية مفترق الطرق، قاصفة معاقبة. قيل لنا إن جرحى ُأدخلوا المستشفى وأن نحو نصف دزينة ماتوا- جميعهم مدنيين. أحدث القصف حفراً كبيرة في الطريق. وكان كل ما تبقى من أكشاك الطعام والشراب قطع حديد مثنية ملتوية. وجعل التجار يلمون ما تبقى لهم ويعيدون بناء أكشاكهم. أما اللاجئون فلا يزالون يغادرون غروزني. ورغم أن حجم تدمير مفترق الطرق أقل من حجم التدمير في غروزني، إلا إنه كان، بكل الدلائل المتوفرة، مثالاً خالصاً على التدمير التعسفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر الحصانة المدنية؛ الأهداف العسكرية المشروعة؛ الأهداف العسكرية؛ السلب).


* جيريمي بوين مراسل لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي.) لشؤون الشرق الأوسط وغطى معظم الأحداث الدولية الكبرى منذ سنة 1990، مرسلاً تقاريره من نحو سبعين بلداً. فاز بجائزة الحورية الذهبية في مهرجان مونت كارلو التلفزيوني لتغطيته حصار موستار سنة 1993.



This site © Crimes of War Project 1999-2003