الإبعاد

روي غتمان*

دخل قطار الركاب المكون من ثماني عشرة عربة المحطة الصغيرة في باليك، شمالي صربيا، توقف وتعالى صريره، ثم أفرغ الـ 1800 رجل وامرأة وطفل الذين احتجزوا فيه لأربعة أيام. كانوا من سكان قرية كوزلوك في شرقي البوسنا.

وفي أواخر حزيران سنة 1992، دخلت دبابتان من دبابات الجيش اليوغسلافي مركز القرية وأشارت مهددة إلى المنازل المريحة هناك. عُرض على القرويين خياران: غادِروا وإلا دمرت قريتكم تحت أقدامكم. بعد أن وقعوا تنازلاً عن ممتلكاتهم للسلطات الصربية، سار عديدهم عبر جسر الدرينا المجاور إلى صربيا المجاورة، حيث أخبرهم حراس الحدود أنهم لا يستطيعون العودة إلى البوسنا. ركب آخرون باصات إلى بلدة ساماك الصربية، حيث نقلوا إلى قطار. فقد وفرت حكومة الرئيس الصربي سلوبودان ملوزوفتش قطارات مصلحة سكك حديد الدولة اليوغسلافية بقصد إبعاد سكان كوزلوك إلى النمسا، ولكن قلة قليلة منهم كانت تحمل وثائق سفر، فرفضت المجر السماح لهم بعبور أراضيها إلى النمسا.

والإبعاد الفردي أو الجماعي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، كما عرفته محاكم نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، وجرائم حرب وفقاً لاتفاقيات جينيف لسنة 1949. وإذا وقعت خسارة كبيرة في حياة الناس، فقد يشكل الإبعاد، حسب الباحث القانوني ألفرد دو زاياس من جامعة روتجرز الأمريكية، إبادة، أي وجود نية لقتل أو إيذاء جماعة قومية أو عرقية أو جنسية أو دينية، جزئياً أو كلياً،

لم يُمنع الإبعاد صراحة قبل الحرب العالمية الثانية. فقد أهملت اتفاقيات لاهاي لسنة 1907 ذكره، لأن عمليات الطرد الجماعي، حسب الباحث القانوني جورج شوارزنبيرغر "مرفوضة بعامة لأنها تقع تحت المعيار الأدنى للحضارة و، لذلك، لا تتطلب حظراً محدداً".

طرد نظام هتلر النازي أكثر من 000، 100 فرنسي من الألزاس واللورين إلى فرنسا فيشي، وأكثر من مليون بولندي من الأجزاء الغربية لبولندا المحتلة إلى "حكومة بولندا العامة" التي تديرها ألمانيا. وأبعدت ألمانيا أيضاً ما يقرب من اثني عشر مليون شخص غير ألماني ليعملوا إجبارياً لصالح اقتصاد الحرب الألماني.

وأدانت محكمة نورمبرغ مراراً قيام ألمانيا بـ "ألمنة" أراض محتلة أو ملحقة، أي نقل السكان الألمان إليها، وبالمثل إبعاد المدنيين من منطقة محتلة إلى أخرى أو إلى ألمانيا. وقررت أن الإبعاد إلى ألمانيا لأغراض العمل الاستعبادي "ليس تحدياً لقواعد القانون الدولي الراسخة فقط، بل وتجاهلاً تاماً للمبادئ الإنسانية الأساسية.

ولكن الحلفاء المنتصرين في البلدان التي سيطر الشيوعيون عليها- تشيكوسلوفاكيا، المجر، رومانيا، يوغسلافيا، وألمانيا الشرقية- تبنوا ممارسات نازية وطردوا نحو خمسة عشر مليوناً من العرق الألماني إلى الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. ويقدر أن ما بين مليونين وثلاثة ملايين ماتوا نتيجة لذلك.

هذا وتمنع اتفاقية جينيف الرابعة لسنة 1949 بصراحة الإبعاد في ظروف الحرب. تقول المادة 49 "يحظر النقل الجبري القردي أو الجماعي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه". ويحظر أيضاً على دولة الاحتلال أن ترحّل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتسمح الاتفاقية لدولة الاحتلال بأن تقوم بـ "إخلاء كلي أو جزئي" لمنطقة محتلة معينة "إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية ملحّة"، وحتى إلى خارج الأرض المحتلة "عندما يتعذر لأسباب مادية تجنب مثل هذا الترحيل"، ولكن يجب أن يعاد المدنيون الذين تم إخلاؤهم إلى مواطنهم "بمجرد توقف الأعمال العدائية في المنطقة".

مُيز نقل العراق لكويتيين إلى العراق وإعادة توطين عراقيين في الكويت ليدان من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويمكن أيضاً اعتبار "التطهير العرقي" الذي قام به الصرب في البوسنا من 1992- 1995 جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب. وأيضاً، ينتهك إبعاد إسرائيل لفلسطينيين من الأراضي المحتلة، حسب رأي الولايات المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة التابعين للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، اتفاقيات جينيف. تقول إسرائيل إن الاتفاقية لا تنطبق على سلوكها في الأراضي ولكنها متطوعة طبقت "الأحكام الإنسانية" بإرادتها الحرة، ولكنها لم تحدد ما هي الأحكام التي في ذهنها.

كان مواطنو كوزلوك الخمسة آلاف من بين أكثر مسلمي البوسنا حظاً، لأن معظمهم نجا رغم طرده. فقد وصلت عديد العائلات في النهاية إلى النمسا حيث عاشوا لاجئين، وعاد الرجال ليقاتلوا إلى جانب الحكومة البوسنية. ومغادرتهم لم يقصد بها أبداً أن تكون "إخلاءً مؤقتاً". وإلى منتصف 1998، لم يعد أحد إلى منزله في كوزلوك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر الترحيل الداخلي؛ مبدأ ضد الطرد؛ اللاجئون،؛ نقل المدنيين).


* روي غتمان مدير مشروع جرائم الحرب، ومساعد تحرير هذا الكتاب، ويغطي الشؤون الدولية في مكتب صحيفة النيوزدي بواشنطن. فاز بجائزة بوليتزر سنة 1993 للتغطية الدولية عن كشفه لمعسكرات الاعتقال وممارسات التطهير العرقي في اليوسنا، وبالمثل جائزة بولك، وجائزة هال بويل التي يمنحها نادي الصحافة لما وراء البحار، وجائزة سلدن رنغ لتقاريره التحقيقية. وهو مؤلف "دبلوماسية الموز" (دار نشر سيمون وشوستر، 1987) و "شاهد على الإبادة" (دار نشر ماكملان، 1993).





This site © Crimes of War Project 1999-2003