المجاعة
ماريتا فهرفيوري*
عند نقطة التفتيش الصربية الرئيسية
خارج سراييفو، وقفت قافلة المساعدات الطويلة التي تقدمها منظمة
"من إنسان إلى إنسان" محتجزة في الطريق. دفع مقاتل صربي
يرتدي زياً رسمياً ويتصبب عرقاً عربة بعجلة مليئة بضائع مأخوذة
من واحدة من الشاحنات إلى قبو المنزل الذي استخدمه وزملاؤه غرفة
حراسة. وبالقرب منه، كان مقاتلون صربيون آخرون يكدسون أكواماً
من مواد الإغاثة المحتجزة في صناديق كرتونية ويضعونها في شاحنة
صغيرة.
لم يبرر رؤساؤهم أفعالهم. قال
أحدهم "حسب أوامر سلطات جمهورية سربسكا، يجب تحويل 30 بالمائة
من جميع المواد التي تحملها قوافل الإغاثة إلينا".
وفي الحقيقة، كانت قافلة منظمة
"من إنسان إلى إنسان" واحدة من قوافل المساعدة الخاصة
القليلة التي وصلت أبداً إلى سراييفو، وحتى لم تصل كاملة. فبعد
أن فقدت 30 بالمائة من حمولتها عند نقطة التفتيش الأولى، شُلِّحت
من المزيد في ضاحية إلدزا التي يسيطر الصرب عليها. وفي النهاية،
لم يصل إلى المدينة إلا الطحين والمعكرونة.
كان موظفو المفوضية السامية لشؤون
اللاجئين في سراييفو مدركين جداً بأن القوات الصربية التي تحاصر
العاصمة البوسنية تحتجز المساعدة الإنسانية المرسلة إلى مدنيي
المدينة. لا بد أنهم كانوا كذلك؛ فكثيراً ما سمحوا للصرب بأخذ
30 بالمائة من بضائع المفوضية نفسها. وفقاً للقانون الدولي، يحق
للصرب كل الحق تفتيش جميع المواد الغذائية والطبية التي تمر عبر
خطوطهم إلى المنطقة التي تسيطر الحكومة البوسنية عليها كي يطمئنوا
أنفسهم بأن الغوث إنما هو لغير العسكريين وليس للجيش البوسني.
ولكن ليس لهم الحق في شفط المواد الغذائية. فالسلب في النزاع الدولي
جريمة حرب، وفعل محظور في النزاع الداخلي.
وتجويع السكان المدنيين، كوسيلة
من وسائل الحرب، محظور في كلا النزاعين الدولي والداخلي، وهو حظر
نُص عليه بصراحة في كلا البروتوكولين الإضافيين لسنة 1977 الملحقين
باتفاقيات جينيف. ورغم ذلك، لا تُجبر أية قوة تمر مواد إغائة على
طرق تسيطر عليها أو في أراض تتحكم بها على فعل أي شيء لدعم القوات
العسكرية المتجمعة ضدها. قاد هذا التناقض بين هذين الموقفين إلى
ظهور سلاسل من الأحكام المعقدة التي يصعب تنفيذها دون استخدام
القوة من قبل الأسرة الدولية. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر تتخذ
موقفاً يقول بأن الخوف من تحويل المدد إلى عسكريين لا يشكل مبرراً
قانونياً لرفض مروره. ولكن موقف اللجنة هذا غير مقبول بشكل واسع.
بمقتضى المادة الثالثة والعشرين
من اتفاقية جينيف الرابعة، تتمتع المساعدة الإنسانية للمدنيين
بحق المرور الحر عبر خطوط المعركة إذا كانت مرسلة إلى "أطفال
دون لخامسة عشرة من العمر والحوامل والنفاس"، ويمكن إعطاء
استثناء أوسع عندما يكون جميع أو بعض السكان المدنيين في أرض محتلة
"غير ممونين بشكل كاف". ولوجود قلق عسكري حقيقي من أن
تستخدم البضائع لإمداد قوات العدو المسلحة، فُهم تعبير "غير
كاف" بمعنى حصري.
أكثر من ذلك، وفقاً للمادة 54
من البرتوكول الأول، يُحظر تدمير "الأعيان التي لا غنى عنها
لبقاء السكان المدنيين"، بما فيها المواد الغذائية والأراضي
الزراعية التي تنتجها ومرافق مياه الشرب وأعمال الري، أو القيام
بأعمال "يتوقع أن تدع السكان المدنيين بما لا يغني من مأكل
ومشرب على نحو يسبب مجاعتهم أو يضطرهم إلى النزوح". أما إذا
كان حظر تدمير مثل هذه الأعيان يصبح إلزاماً إيجابياً يسمح بدخولها
إلى سكان مدنيين يعانون من خطر المجاعة فغير واضح من المادة الرابعة
والخمسين، ولكنه قد يكون ضمنياً في أحكام أخرى متعلقة بعمليات
الإغاثة.
فطبقاً للمادة 70 من االبروتوكول
الأول، إذا لم تتوفر لمدنيين في نزاع مواد كافية "تجري أعمال
الغوث ذات الصبغة الإنسانية المحايدة من دون تمييز مجحف، شريطة
موافقة الأطراف المعنية عليها". وإذا لم تقم ظروف تتطلب إمدادات
ضرورية لبقاء السكان المدنيين، تخضع عمليات الإغاثة لموافقة الأطراف
المعنية.
وفي نزاع مسلح داخلي، إذا عانى
مدنيون من "حرمان شديد" لافتقادهم الطعام أو الإمدادات
الطبية "الضرورية لبقائهم"، تخضع أعمال الإغاثة "ذات
الطبيعة الإنسانية والحيادية حصراً... دون تمييز مجحف" لموافقة
الدولة ذات العلاقة.
ورغم أن الولايات المتحدة ليست
طرفاٌ في البروتوكول الإضافي الأول أو الثاني، إلا إنها تؤيد حظر
التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.
يعود ضعف الأمم المتحدة ومنظمات
الغوث الخاصة أمام مثل ذاك الابتزاز الذي شاهدته عند نقطة التفتيش
الصربية أساساً إلى غموض القانون- أي إلى التناقض القائم بين الضرورة
العسكرية والتزام جميع الأطراف المتنازعة بالسماح بدخول المواد
اللازمة لمنع المجاعة أو خطرها.
فإذا عنى عدم السماح للصرب بأخذ
30 بالمائة من مواد الإغاثة أنهم لن يتركوا الـ 70 بالمائة الأخرى
تدخل، فمن الأفضل التنازل. أو هكذا عقلنت معظم منظمات الإغاثة
الأمر. وكان يمكن للبديل أن يكون ترك أكثر الجماعات ضعفاً- الكبيرة
في السن جداً والصغيرة جداً، بالخصوص- تموت جوعاً. أما المجاعات
الأوسع التي استطاع الجهد الإنساني وقفها في البوسنا فقد ظل احتمال
انتشارها قائماً إلى نهاية الحرب تقريباً.
كانت المؤشرات في البوسنا أبعد
من أن تكون واضحة. فقد أدركت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
ووكالات أخرى مبكراً أن مسألة ما إذا كان الصرب مجبرين على السماح
للمساعدات بالمرور أم لا ظلت مسألة مفتوحة. تطلبت توجيهات مجلس
الأمن ذاك القدر، ولكن الصرب عرفوا أيضاً أنهم غير قادرين واقعياً،
كما تطلب القانون، على منع بعض العون من التدفق إلى الجيش البوسني.
ومهما كانت الدقة القانونية، فإن الجيش، في كل الحروب، يأكل أولاً.
كانت هذه بعض الأسباب التي جعلتهم
يتصرفون كما فعلوا- وتمثل سبب آخر بعدم وجود إرادة لدى دول الأمم
المتحدة الكبرى على تمرير المساعدة بالقوة. وهكذا، بدت محاولة
شراء المقاتلين أفضل من الإصرار على وجوب أن تستمر عمليات الإغاثة
بطريقة غير مساومة مطلقاً.
"لم نستطع ترك كل أولئك الناس
يموتون"، تلك هي الطريقة التي صور بها أحد مسؤولي المفوضية
السامية لشؤون اللاجئين في زغرب الأمر في ذلك الوقت. وأضاف "ولذا
أغلقنا أعيننا على كثير من الأشياء". ولكثير من ثغرات القانون
وبالمثل للوقائع على الأرض الكثير من العلاقة بذلك القرار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر إعاقة المساعدات الإنسانية؛ الحصار؛ تدمير شبكات المياه
ومرافقها).