إخلاء
المدنيين من أرض المعركة
إتش. وين إليوت*
ليست أرض المعركة المكان الذي يريد
معظم الناس التواجد فيه. والجنود هناك لمهمتهم وواجبهم. والمدنيون
الذين يجدون أنفسهم في أرض المعركة موجودون هناك، في معظم الحالات،
صدفة أو في الأقل دون قصد..الجرح والموت والتدمير أمور تصاحب القتال.
وسوف يجرح الناس أو ربما يقتلون. وسوف تدمر المباني والممتلكات
الشخصية. فما هو واجب الجنود نحو المدنيين الذين يجدون أنفسهم
وقد أمسك القتال بهم؟
يمكن تعريف المدني بما ليس هو.
وبعامة، المدني شخص غير عسكري ولا يشترك مباشرة في القتال. في
أرض المعركة، يهتم الجندي بمعرفة إن كان أولئك الحاضرون فيها أهدافاً
عسكرية مشروعة، أو ما يسمى في الأغلب "أهدافاً قانونية"،
أم لا. فإن كانوا مدنيين حقيقيين، لا يجب أن يشتركوا في الأعمال
العدائية. وإن اختاروا المشاركة فيها يصبحون عرضة للاستهداف وقد
يُقدموا، إن أُسروا، إلى محكمة قانونية باعتبارهم عسكريين غير
شرعيين.
افترض أن قائداً يعرف بوجود مدنيين
حقيقيين في أرض المعركة، فما الالتزامات المفروضة على ذاك القائد؟
هل يجب أن يبذل جهداً لإخلائهم؟ طبعاً يوجد التزام بإخلاء المدنيين
من أرض المعركة. وفي الوقت نفسه، يعتبر تعريض غير العسكريين عمداً
للخطر انتهاكاً لقوانين الحرب. وفي الممارسة، كثيراً ما يتجنب
القادة مشكلة وجود المدنيين في منطقة المعركة، بكل بساطة، بتحذيرهم.
وقد يتم إنجاز هذا الأمر بإسقاط منشورات، أو بإطلاق بلاغات بمكبرات
الصوت أو في الإذاعة. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الممارسة مبغضة
أو مغبطة، ولكن التحذيرات، باعتبارها مسألة عسكرية، تصبح ذات معنى
(إلا، طبعاً، إذا تدخلت المفاجأة كعامل). فأولاً، إن القائد الذي
يحذر يبذل جهداً بيّناً لتجنب إيذاء غير العسكريين. وثانياً، كمسألة
عسكرية، لتحذير المدنيين بمغادرة المنطقة نتيجة دعائية تذكرهم
بأن قواتهم العسكرية قد لا تستطيع وقف القوات المتقدمة. وثالثاً،
سوف يتحرك معظم المدنيين نحو قواتهم وليس نحو عدوهم. وعندما يحدث
ذلك، ستجد قواتهم نفسها وقد وقعت في مشكلة لوجستية وتكتيكية.
وبالفعل، يضع القانون عبء حماية
المدنيين الثقيل على القوة التي تتمتع بنوع من السيطرة الحقيقية
على المدنيين. وعليه، بينما لا تستطيع قوة مهاجمة استهداف المدنيين
عمداً، لا تستطيع القوة المدافعة أيضاً استخدام المدنيين كنوع
معين من الدروع ضد الهجمات المشروعة.
افترض أن المدنيين غير العسكريين
موجودون في منطقة محاصرة، مثل سراييفو أثناء الحرب البوسنية. تشترط
المادة السابعة عشرة من اتفاقية جينيف الرابعة أن "تسعى أطراف
النزاع لإقرار ترتيبات محلية لنقل" غير العسكريين "من
المناطق المحاصرة أو المطوّقة". تظهر كلمة "تسعى"
بوضوح أن مثل ذاك الإخلاء ليس إجبارياً. وفي الحقيقة، سوف يميل
قائد المكان المحاصر إلى إخلاء المدنيين غير العسكريين لأنهم يستهلكون
المؤن والأغذية. وفي الوقت نفسه، وللسبب نفسه، لا يحتمل أن يوافق
قائد القوة المحاصِرة على السماح للأشخاص الذين يستنفدون مصادر
العدو أن يغادروا. وسواء تم الوصول إلى اتفاق أو لم يتم، لا يمكن
استهداف المدنيين بالتحديد. فأثناء حصار سراييفو، قتل القناصة
أفراداً كانوا مدنيين بكل وضوح (أطفالاً بعمر المدرسة، كبار السن،
مرضى، إلى آخره). وفي حالة بعض من قتلوا في سراييفو، ارتكبت جرائم
حرب- لا لأن المدنيين لم يتم إخلاؤهم، بل لأن المدنيين استهدفوا.
وكلما تقدمت القوات، كلما أثيرت
الالتزامات العامة الواردة في اتفاقية جينف الرابعة المتعلقة باحتلال
أرض العدو. فعندما تصبح قوة متقدمة قوة احتلال، يضع القانون تلك
القوة في موقع حكومة مؤقتة. وباعتبارها كذلك، تصبح مسؤولياتها
تجاه السكان المدنيين أكبر وأكثر تحديداً.
يقع عبء حماية المدنيين من آثار
الحرب العسكرية على ثلاثة أطراف مميزة: أولاً، القوة المتقدمة
التي يجب أن تبذل كل جهد لتجنب إلحاق ضرر غير ضروري بالمدنيين.
ثانياً، القوة المدافعة التي قد تتوفر لها أفضل فرصة لنقل المدنيين
من المنطقة قبل أن تصبح بالفعل منطقة قتال. ثالثاً، وأكثر أهمية،
المدنيون أنفسهم. فعلى المدنيين تجنب الاشتراك في القتال. وفي
الحقيقة، عليهم، بكل بساطة، أن يتجنبوا، إن أمكن، التواجد في المنطقة
التي تقع الأعمال العدائية فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر الضرر الجانبي؛ التطهير العرقي؛ الترحيل الداخلي؛ الحصار؛
نقل المدنيين).