نقل
المدنيين
توماس غولتز*
تعيش جابارنا ميروزيفا، البالغة
من العمر ستة وعشرين عاماً، مع أطفالها الأربعة في قبو منزل أرمني
دمره القصف، وتعتبر نفسها محظوظة أن تكون هناك.
وكذا تعتبر نفسها المائة عائلة
أو نحوها من العرق الكردي التي تعيش في خرائب العدد نفسه تقريباً
من المنازل الأرمنية المدمرة جزئياً (وأحيانا كلياً تقريباً) في
شاريار التي كانت، بالمقاييس السوفياتية، بلدة مشهورة بمعامل تقطير
البراندي. والأرض المحيطة بها ريفية زراعية ترتفع وتنحدر وتشق
طريقاً بين جبال ما يسمى جمهورية كراباخ الجبلية- المنطقة ذات
الأغلبية الأرمنية التي ظلت قانونياً جزءاً من جمهورية أذربيجان
السوفياتية السابقة ولكنها انفصلت عنها سنة 1992 وأعلنت نفسها
بنفسها دولة مستقلة.
والحياة في شاريار قاتمة بأفضل
الأحوال. فمياه الآبار مالحة ويصعب انتشالها؛ والطعام شحيح؛ ولا
يوجد فيها أطباء؛ والحقول المحيطة بها لُغِِّمت مرتين- مرة من
قبل الأرمن الذين اعتادوا فلحها، ومرة من قبل الجيش الأذري الذي
عليه الدفاع عن البلدة إذا عاد الأرمن ليطالبوا بها.
ولكن جابارنا ميروزيفا والعائلات
الكردية الأخرى في شاريار تعتقد بعدم وجود مكان آخر يذهبون إليه.
وما زالوا يؤمنون بالعودة إلى كلباجار، المدينة التي طردهم المقاتلون
الأرمن منها. وهم يرفضون الالتحاق بمئات الآلاف من الأشخاص الآخرين
المرحلين داخلياً ويعيشون في مدن الخيام القذرة وبلدات الشاحنات
الصندوقية وغرف المدارس التي تضم عديد العائلات وتنتشر في جميع
أنحاء الريف الأذري. وفوق ذلك، لأن شاريار تعتبر منطقة خطرة من
قبل المنظمات الدولية المكلفة بالتعامل مع اللاجئين والمرحلين
داخلياً من النزاع الكاراباخي (تعتبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين
بلدات مثل شاريار أخطر من أن يعمل فيها موطفوها والمتعاقدون معها)،
لا يمكن لعائلة ميروزيفا توقع إلا القليل من عون المجتمع الدولي
أو لا شيء.
وفي الحقيقة، ومن منظور قانوني
دولي، عندما تسمح السلطات الأذرية للاجئين الأكراد بالبقاء في
شاريار فإنها تنتهك عدداً كبيراً من أحكام اتفاقيات جينيف التي
تحظر نقل سكان بلد المرء نفسه إلى منطقة محتلة. وكون هذه العائلات
الكردية لا تنوي الانتقال من مكانها وأن الطاعة الصارمة للقانون
الدولي والواقع الإنساني قد افترقا، على الأقل في هذه الحالة،
لا يغير الوضع القانوني.
والواقع أن سلطات الحكومة الأذرية
في باكو وجدت من المفيد لها الإبقاء على الأكراد في خرائب بلدات
وقرى الخط الأمامي مع أرمن ناغورنو كاراباخ. والسماح للأكراد بالانتقال
إلى منطقة طهرت عرقياً يناقض قانون اتفاقية جينيف الذي يغطي النزاع
الدولي. تنص المادة 49 من اتفاقية جينيف الرابعة "لا يجوز
لدولة الاحتلال أن ترحّل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى
الأراضي التي تحتلها". وفي الحقيقة فإن "النقل الجبري
الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين" خرق قانوني جسيم، أو
جريمة حرب. وحتى في النزاع الداخلي، لا يجوز، وفقاً للبروتوكول
الإضافي الثاني، "ترحيل السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع".
يمكن إخلاء المدنيين مؤقتاً إذا
تطلب ذلك أمن المدنيين أو "أسباب عسكرية ملحة"، كحركة
جبهة القتال، شريطة أن يعادوا إلى منازلهم عندما تهدأ الأزمة.
تنص المادة السابعة عشرة من البروتوكول الثاني "إذا ما اقتضت
الظروف إجراء مثل هذا الترحيل، يجب اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة
لاستقبال السكان المدنيين في ظروف مرضية من حيث المأوى والأوضاع
الصحية الوقائية والعلاجية والسلامة والتغذية".
لم تفعل الحكومة الأذرية أي شيء
من هذه الأشياء، وحتى رفضت السماح للمنظمات الدولية من مثل "هالو
ترست" بإزالة الألغام من المنطقة، الأمر الذي يشكل انتهاكاً
واضحاً لالتزامات الدول الموقعة على اتفاقيات جينيف، طبقاً للمادة
49 من اتفاقية جينيف الرابعة التي تقضي بعدم احتجاز غير العسكريين
في المناطق "المعرضة لمخاطر الحرب".
في محاكمات نورمبرغ التي سبقت
اتفاقيات جينيف لسنة 1949، أدين عدد من المسؤولين الحكوميين النازيين
لارتكابهم جريمة ضد الإنسانية، ألا وهي إبعاد مدنيين من أراضٍ
محتلة إلى ألمانيا كرقيق عمل، ونقل مواطنين ألمان إلى أراضٍ محتلة
للاستيطان فيها. ذكر الحكم النهائي ضد عديد الأفراد المدعى عليهم
عمليات الإبعاد فقط، وليس الاستيطان.
والثغرة الواضحة في القانون اليوم
هي أن القانون في النزاع المسلح الدولي لا يغطي نقل بلد لرعاياه
من مراكز لاجئين أو مراكز أشخاص مرحلين داخلياً موجودة في مناطق
من البلاد آمنة نسبياً إلى مناطق قريبة من خطوط الجبهة. وتصبح
المشكلة أكثر حدة حين لا يجبر الناس المعنيين على الانتقال إلى
مثل تلك المناطق بل يختارون هم فعل ذلك.
وكما قال أحد موظفي المساعدة الدولية،
"عندما تقرر عائلة تسكن في عربة قطار قذرة في أرمينيا أو
أذربيجان أن أسرع طريقة لإنهاء حال اللجوء الرهيبة هي أن يأخذ
المرء مصيره بيديه ويبدأ بتصليح جدار منزل شخص آخر يجد نفسه الآن
في الجانب "الصديق" من خطوط الجبهة، فمن سيقول لهم أن
يتوقفوا؟ إن الحاجة البشرية هي التي خلقت المعضلة القانونية هنا".