الحصانة من الهجوم

إيما دالي*

صديقتنا مستلقية على السرير، أصابعها تشد شرشفاً رمادياً ملطخاً بالدم بعصبية، عيناها مغطيتان بضمادة، وجهها جرّحه زجاج. قالت بعنف "أريد الذهاب إلى بيتي. إنني مرعوبة من المكوث في هذه البناية".

يمكننا فهم قلقها: فبلوكات مجمع مستشفى كوزيفو في سارييفو الإسمنتية وأسواره الأمامية المتعرجة كانت مندّبة بآثار شظايا ورصاص وقذائف. وقبل أسبوعين، قتل مريضان حين أصابت قذيفة قسمهما. وكان بإمكاننا سماع أصوات القصف عن بعد، وصوت قذائف المورتر الجوفاء الذي أتانا من مكان قريب من المستشفى. بعامة، تتمتع المستشفيات بحصانة من الهجوم وفقاً لاتفاقيات جينيف التي تمنح المدنيين والأعيان المدنية مستوى عال من الحماية النظرية في أوقات الحرب. ورغم ذلك سخر حصار سراييفو من المثال الإنساني القائل إن مخاطر الحرب يجب أن تكون محدودة، قدر المستطاع، بالقوات المسلحة المنخرطة في القتال.

يعود تاريخ مفهوم الحصانة، المبدأ الذي يقول إن أشخاصاً معينين وأمكنة يجب أن "يحموا ويحترموا" في وقت الحرب، إلى سنة 1582 في الأقل، عندما قال قاض إسباني "إن قتل أشخاص أبرياء، مثل النساء والأطفال، غير مسموح به في الحرب". وأكدت اتفاقيات جينيف لسنة 1949 الحصانة للمدنيين والمستشفيات وأفراد الخدمة الطبية، وينص البروتوكولان الإضافيان لسنة 1977 الملحلقان بالاتفاقيات "يتمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية".

والمبدأ العام أن لا يستهدف المدنيون مباشرة في هجوم عسكري. أكثر من ذلك، يمنح بعض الأفراد المعتبرين ضعفاء بخاصة- الأطفال تحت سن الخامسة عشرة، كبار السن، النساء الحوامل، وأمهات أطفال أعمارهم دون السابعة- حماية خاصة، ويمكن، على سبيل المثال، نقلهم إلى مناطق آمنة مستثناة من الهجوم باتفاق بين الأطراف المتحاربة. ويحمى أيضاً الجرحى والمرضى ومنكوبو البحار، والعسكريون العاجزون عن القتال، وبالمثل أسرى الحرب.

والمستشفيات، سواء كانت ثابتة أو متحركة، وسيارات الإسعاف والسفن المستشفيات والطائرات الطبية وأفرد الخدمات الطبية- سواء كانوا مدنيين أو عسكريين- مؤهلون أيضاً للحماية من النيران المعادية وفقاً لاتفاقيات جينيف، شريطة أن توسم بشارات الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر وأن لا تستخدم لأغراض مخالفة وأن لا تكون قرب أهداف عسكرية، ويُحمى الموظفون أيضاً بشكل مناسب. ولا يشمل تعبير الموظفين الأطباء والممرضين والإداريين فقط، بل والسائقين والمنظفين والطباخين وطواقم سفن المستشفيات أيضاً- باختصار، كل من يساعد وحدة طبية على أداء عملها. وتشمل الحماية أيضاً بعض عمال الإغاثة- على سبيل المثال، المتطوعين في الصليب الأحمر الذين يسعفون المرضى والجرحى في أرض المعركة، كما تشمل رجال الدين العسكريين. وفي ما عدا المستشفيات، لا يمكن مهاجمة مبانٍ معينة. فأماكن العبادة والنصب التاريخية محمية، وبالمثل منشآت مدنية مثل المدارس وأعيان أخرى لا تستخدم لدعم النشاطات العسكرية. فوفقاً لاتفاقية الملكية الثقافية لسنة 1954، تُحمى من الهجوم أماكن العبادة المهمة والمواقع التاريخية والأعمال الفنية وكنوز ثقافية أخرى.

وتوجد استثناءات. فعلى سبيل المثال، تصبح مدرسة هدفاً عسكرياً مشروعاً إذا تمترس جنود فيها. أما المستشفيات فوضعها أكثر تعقيداً لأنه يسمح لها الاحتفاظ بحراس مسلحين داخلها. ولكن يمكن خسارة الحصانة إذا استُخدم الأشخاص أو استخدت الأعيان لارتكاب أفعال تؤذي طرفاً في النزاع. فلو استنتج صرب البوسنا الذين يحاصرون سراييفو أن قوات حكومية بوسنية تطلق نيران أسلحتها من مجمع مستشفى كوزيفو، لكان لهم الحق بالرد بالنيران- ولكن بعد أن يكونوا قد طلبوا من الحكومة البوسنية وقف استخدام المستشفى كدرع وبعد إعطائها فترة معقولة للالتزام.

وإيقاع أذى بشخص بريء أو بعين ليس دائماً أمراً غير قانوني. فالوفيات والأضرار المدنية مسموح بها كنتيجة لهجوم على هدف عسكري، ولكن فقط عندما يؤدي الهجوم إلى ميزة عسكرية محددة. ويجب أن لا يكون الضرر الواقع على الأشخاص أو الأعيان المعتبرين من حيث المبدأ محصنون وفقاً للقانون الإنساني الدولي مفرطاً مقارنة بالمكسب العسكري المتوقع. وعلى سبيل المثال، لن يكون كسر نوافذ مستشفى أثناء هجوم على مستودع أسلحة يبعد عنه خمسمائة متر عملاً غير قانوني لأن المكسب العسكري سيفوق كثيراً الضرر المدني.

إلا إن الإبقاء على الأهداف العسكرية المشروعة منفصلة عن المواقع المدنية المحمية صعب التنفيذ على الأرض. حسب القانون الإنساني الدولي، تُلزم أطراف النزاع بفصل عسكرييهم عن مدنييهم قدر الإمكان. ولكن هذا الأمر صعب في الواقع. فعلى سبيل المثال، في سراييفو، كانت الأرض المحاصرة صغيرة جداً إلى حد كان معه الفصل مستحيلاً. بعد أن قلت هذا أقول، بدا واضحاً، في سراييفو كما في عديد البلدات في جميع أنحاء البوسنا والهرسك، أن هدف المحاصِرين الأساسي كان المدنيين. وكان ذاك أحد أسباب اتهام رادوفان كارادتش وراتكو ملادك، زعيمي صرب البوسنا الانفصاليين المدني والعسكري، بجرائم الحرب من قبل محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر الحصانة المدنية؛ استهداف المدنيين غير القانوني؛ المركبات الطبية؛ مبدأ التناسب؛ الأشخاص المحميون).


* إيما دالي صحفية مستقلة تكتب لصحيفة الأوبزرفر البريطانية وصحيفة الكريستيان ساينس مونيتور الأمريكية. غطت نزاعات في أوروبا وأمريكا الوسطى وأفريقيا لصحيفة الأندبندنت البريطانية ووكالة أنباء رويتر.



This site © Crimes of War Project 1999-2003