التعذيب
نيكول بوب*
فرحات رجل محطم. قصير ثخين، شعر
رأسه أسود أشعث وشارباه كثّان، يبدو معافى قوياً كثور، إلا إن
الحياة غادرت عينيه العابستين.
ولا يستطيع هذا الرجل البالغ من
العمر اثنين وثلاثين عاماً النوم في الليل لأنه يخشى الظلام. يفقد
طبعه حين يلعب أطفاله الأربعة بصوت عالٍ، لأن صرخاتهم تذكره بصرخات
الليل التي سمعها من زنزانته. يتكلم بصوت رتيب مطرد، وتكشف لهجته
الخشنة أصوله الكردية. أحياناً، حين تغلبه العواطف، يتوقف، يحملق
في حذائه، ويهز رأسه ليدفع عنه صوراً لا تزال تسكنه حتى بعد أربعة
أعوام من تعذيبه في مركز تحقيق في استنبول.
ومثله مثل آخرين من جنوب شرقي
تركيا الكردي، أُمسك بفرحات (ليس اسمه الحقيقي) في النزاع الذي
مزق منطقته منذ سنة 1984. ففي الأقل، مات ثلاثون ألف شخص، وأُجبر
مئات الآلاف من القرويين، بمن فيهم فرحات وعائلته، على ترك منازلهم
عندما أحرقها الجيش في محاولة منه لمنع المدد والدعم اللوجستي
عن رجال العصابات الذين يعيشون في مناطق جبلية قصيّة. لم يكن فرحات
مقاتلاً، إلا إنه كان عضواً في حزب مؤيد للأكراد شرعي نظرت السلطات
التركية إليه بعين الشك وأغلقت مقراته منذ ذلك الوقت بقرارات محاكم.
معتقلاً لمرتين، سنة 1993 وسنة 1994، اتُهم فرحات بـ"تأييد
منظمة لا شرعية ومساعدتها"، لكنه رفض الاعتراف بجريمة يقول
إنه لم يرتكبها، رغم الضغط البدني والذهني العنيف. وفي نهاية محاكمته
الأولى بُرِّئ. فلم يوجد دليل ضده إلا اتهام انتزع من سجين آخر
في ظروف مشابهة.
حصلت قضية فرحات في إطار ما يعتبر
نزاعاً داخلياً، حتى وإن كان الجيش التركي يجتاز كثيراً حدود العراق
الشمالية سعياً وراء مناضلي حزب العمال الكردستاني. فبينما تخول
أية دولة قمع عصيان وبالمثل اعتقال متمردين والحكم عليهم، إلا
إن التعذيب محظور دولياً. تقول اتفاقية سنة 1984 لمنع التعذيب
والمعاملة أو العقوبة غير الإنسانية أو المحطة بالكرامة "لا
يمكن لأي ظرف استثنائي مهما كان، سواء كان حالة حرب أو تهديداً
بالحرب، اضطراباً سياسياً داخلياً أو أية طوارئ عامة أخرى، أن
يبرر التعذيب".
تُعرِّف الاتفاقية التي تركيا
طرف فيها، التعذيب بأنه "أي عمل يوقع ألماً حاداً أو معاناة،
سواء كان بدنياً أو ذهنياً، بشخص بغرض الحصول منه أو من شخص ثالث
على معلومات، أو بغرض الاعتراف". وهو أي عمل "يقوم به
مسؤول عمومي أو أي شخص آخر له صفة رسمية، أو يحرض أو يوافق عليه".
ويقع تحت تعريف التعذيب أيضاً معاقبة معتقل لعمل قام به هو نفسه
أو شخص آخر، أو تهديده أو تهديد شخص آخر لأسباب قائمة على التمييز.
وهذا مقنن في اتفاقيات حقوق الإنسان،
من مثل الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ اتفاقية
حقوق الطفل؛ والاتفاقيات الأوروبية والأفريقية واتفاقيات البلدان
الأمريكية لحقوق الإنسان.
والتعذيب محظور بخاصة أثناء النزاع
المسلح، سواء كان نزاعاً دولياً أو داخلياً، وسواء استخدم ضد جنود
ألقوا أسلحتهم عنهم أو مدنيين أو حتى مجرمين عاديين. والحظر موجود
في القانون العرفي وفي المعاهدات. وتوضح المادة المشتركة في اتفاقيات
جينيف لسنة 1949 أن "الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية،
وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب"
وبالمثل "الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة
المهينة والحاطة بالكرامة" ممنوعة في ظل أية ظروف. وتنص المادة
الرابعة والأربعون من تدابير لاهاي لسنة 1907 الخاصة بأعراف الحرب
"تمنع دولة محاربة من إجبار سكان منطقة تحتلها على تقديم
معلومات عن جيش دولة محاربة أخرى أو عن وسائل دفاعها".
ويميز القانون تمييزاً بسيطاً
بين التعذيب الذي يستخدم كثيراً للحصول على معلومات من المشتبه
به، وبين المعاملة غير الإنسانية التي تحط من كرامة الشخص، ولكن
الخط الفاصل بين الاثنين كثيراً ما يكون ضبابياً. وبالفعل، فإن
الانتقام والكراهية، بقدر ما يدفعان إلى نيل اعتراف، يقودان المعذِّبين
إلى إيقاع المعاناة. فالتعذيب لا يستخدم ليؤذي بدنياً فقط، بل
ليذل الضحية أيضاً، ولذلك كثيراً ما يُعرى السجناء أثناء جلسات
التعذيب؛ والاغتصاب والألم اللذان يوقعان بالأعضاء التناسلية من
بين أكثر أشكال التعذيب شيوعاً. وفي الحقيقة، فإن الاعتداءات ذات
الطبيعة الجنسية شائعة جداً في وقت النزاع إلى حد تشير معه المادة
27 من اتفاقية جينيف الرابعة بالتحديد إلى معاملة النساء اللواتي
يجب حمايتهن من "الاغتصاب، أو الدعارة القسرية، أو أي شكل
من أشكال الاعتداء المخل بالشرف". وفي الحقيقة، فإن حماية
كرامة الإنسان في جميع الظروف هي كامل روح اتفاقيات جينيف.
قبلت تركيا، الطرف أيضاً في اتفاقيات
جينيف، السلطة القضائية لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، ومع منتصف
سنة 1998 خسرت ثماني قضايا عن التعذيب. تقول منظمة العفو الدولية
"التعذيب روتيني ومنظم" في تركيا، ويستعمل في جميع أنحاء
البلد. وقال تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان لسنة
1997 "لا يزال التعذيب منتشراً" وإن "الشرطة...
كثيراً ما تعسفت بحق المعتقلين واستخدمت التعذيب أثناء السجن الانفرادي
والتحقيق.
ومن الواضح أن أساليب التعذيب
تختلف من بلد إلى آخر. فقد أطلعني فرحات على شبكة من الندب على
مرفقيه، تركتها ملازم أبقته معلقاً متألماً لساعات وأسلاك كهربائية
مربوطة بأصابع قدميه وأعضائه التناسلية. وحفرت حروق السجائر ندباً
في ذراعيه. ويقول "حرقوا حتى شاربيّ". وما هو أسوأ من
الألم البدني كانت الأيام والليالي التي قضاها في عتمة كاملة وهو
معصوب العينين، شتائم المحققين وإهاناتهم، التهديدات بالموت، وقرقعة
مقداح المسدس عندما كان ينتظر الإعدام الذي لم يأت أبداً.
توجد في معظم البلدان قوانين تمنع
التعذيب، إلا إن المؤسسة القضائية لا تبدو أحياناً مستعدة لتحدي
قوى الأمن، ويظل المنفذون طليقين لغياب الدليل. وعادة ما يُحتفظ
بالضحايا في المعتقل إلى أن تختفي الندب البدنية، مما يجعل إثبات
وقوع التعذيب صعباً. ولكن كما يعرف فرحات، يترك التعذيب علامات
لا تمحى من النفس.
ـــــــــــــــــ
(انظر الأشخاص المحميون؛ القتل العمد).