الاضطهاد
على أسس سياسية أو عرقية أو دينية
وليام شوكروس*
قبيل عيد الميلاد سنة 1975بقليل،
قدت سيارتي مائتي ميل متوجهاً من بانكوك شرقاً إلى حدود تايلاند
مع كمبوديا. كان ذاك بعد نحو ثمانية أشهر من استيلاء شيوعيو الخمير
الحمر على السلطة في كمبوديا، بعد أن هزموا حكومة الجنرال لون
نول المدعومة أمريكياً.
ومنذ ذلك الوقت، طرد الخمير الحمر
كل الغربيين (ومعظم الأجانب الآخرين)، وأفرغوا جميع المدن من الناس،
وشرعوا في تجربة ماوية راديكالية لإعادة البلد إلى عصر ما قبل
صناعي أوتوقراطي.
كان الشهود الوحيدون على الإرهاب
الذي تضمنته هذه الخطة هم أولئك اللاجئين الذين استطاعوا الوصول
إلى الحدود التايلاندية. (أما أولئك الذين وصلوا فيتنام فقد أسكتهم
الشيوعيون الفيتناميون الذين كانوا لا يزالون في هذه المرحلة حلفاء
الخمير الحمر).
روى جميع اللاجئين الذين قابلتهم
في مخيم أقامته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على حدود بلدة
أرانيابراثيت حكابات رهيبة. تحدثوا عن كوادر من الخمير الحمر يضربون
أطفالاً بالأشجار حتى الموت، عن راشدين يشتبه بعلاقة لهم بالنظام
القديم يضربون بالهراوات حتى الموت أو يطلق الرصاص عليهم، عن مجاعة
وغياب كامل للرعاية الطبية، عن رجال بنظارات قتلوا لأنهم "مثقفون".
كان من الواضح لي بشكل مطلق أن هؤلاء اللاجئين يروون الحقيقة،
فالتاريخ يُظهر أن اللاجئنين عادة ما يفعلون ذلك. وما كان أقل
وضوحاً في ذلك الوقت، لماذا تصرف الخمير الحمر بهذه الطريقة الفظيعة.
واستمر القتل، وحتى اتسع، خلال
الأعوام الثلاثة والنصف اللاحقة. ولم تتم أية محاولة للتدخل لوقفه.
وعندما اقترح السيناتور جورج ماكغفرن تدخلاً عسكرياً باسم حماية
البشرية، سُخِّف.
وفي نهاية سنة 1978، بعد أن مات
ربما ما بين مليون ونصف ومليونين من سكان كمبوديا البالغ عددهم
سبعة ملايين نسمة، أُسقط نظام الخمير الحمر على يد حلفائهم الفيتناميين
السابقين. وبدلاً عنه، نصبت هانوي [عاصمة فيتنام] نظاماً شيوعياً
عميلاً لها. وسياسات هذا النظام لا يمكن مقارنتها بأي شكل مع تلك
التي اتبعها الخمير الحمر، ولكنها، رغم ذلك، كانت سياسات نظام
حرب واحد قاسية.
في سنة1980، زرت كمبوديا، وأُخذت
إلى قبر جماعي خارج العاصمة فنوم بنه، حيث دفن ضحايا إرهاب الخمير
الحمر. اتضح أن هؤلاء الناس ضُربوا بالهراوات حتى الموت؛ أيديهم
لا تزال موثقة، وجماجمهم محطمة، والعظم يعلق به لحم عفن.
سمعت بمثل هذه القبور الجماعية
منذ طفولتي- كان والدي النائب العام البريطاني الرئيسي في نورمبرغ،
وتمثلت واحدة من أبكر ذكرياتي بالاستماع إلى تسجيلات خطابات ادعائه.
في أحد هذه الخطابات، اقتبس الأعمال الوحشية التي شوهدت في قبر
في مكان يدعى دوبنو. أثرت صور عائلات من كل الأعمار، وهي تسير
قطعاناً إلى حفر كان رجال الإس. إس. [اختصاراً لـ Schutzstaffel
(المخابرات الألمانية)] يقفون عندها وهم يدخنون السجائر ليطلقوا
الرصاص عليهم، عليّ تأثيراً دام طوال حياتي. ومن الواضح أنني تمنيت
أن لا أرى أبداً مثل هذه المشاهد بنفسي. ولكنني شاهدتها في كمبوديا.
منذ إسقاط الخمير الحمر لم يُبذل
أي جهد حقيقي لتقديم قادتهم للعدالة. ففي صيف سنة 1979 نظم الفيتناميون
محاكمة صورية غيابية للقادة- كانت مهزلة. ومنذ ذلك الوقت، لم يُبذل
أي جهد ناجح لتقديم الخمير الحمر للعدالة، جزئياً لأسباب سياسية.
والسؤال المطروح هو: ما هي الجرائم
المحددة التي يجب اتهامهم بها. بما إن معظم ضحاياهم كانوا كمبوديين
آخرين، فقد لا تنطبق اتفاقية الإبادة بحرفيتها على أغلبية عمليات
القتل هذه، وهذا هو الرأي الذي لا يزال سائداً في الأسرة القانونية
الدولية إلى الوقت الراهن. ورغم ذلك، يوجد دليل دامغ يثبت أنهم
اعتدوا بخاصة على جماعات عرقية ودينية مثل الكام والفيتناميين
والنساك البوذيين. وقد تتوافق هذه الاعتداءات مع معيار اتفاقية
الإبادة عن العمل الذي ينفذ بـ "نية تدمير" هذه الجماعات
"كلياً أو جزئياً"
ربطت الجرائم ضد الإنسانية بالنزاع
المسلح، سواء كان داخلياً أو دولياً، ولكن يوجد قوام من الآراء
واسع يقترح بأن هذا الربط، وفقاً للقانون الدولي، لا يجب أن يكون
دائماً كذلك، وأن القتل الجماعي يمكن أن يشكل جرائم ضد الإنسانية
حتى في غياب نزاع مسلح. فقد حكمت المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة
بأن الجرائم ضد الإنسانية لا ترتبط بالضرورة بنزاع مسلح، ولا يشير
نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لسنة 1998 إلى هذا
الربط. واستنتجت دراسة قامت بها وزارة الخارجية الأمريكية سنة
1995 أن بالإمكان محاكمة الخمير الحمرعلى جرائمهم ضد الإنسانية،
وأن الولايات المتحدة وحكومات أخرى حاولت بلا نجاح سنة 1998 تقديم
بول بوت [زعيم الخمير الحمر] إلى المحاكمة قبل وفاته بوقت قصير.
إن ما مارسه الخمير الحمر من قتل
منظم وتصفية وعمل إجباري قسري وتعذيب وتهجير إكراهي للسكان، يشكل
دليلاً دامغاً على الاضطهاد الجماعي. وقد تظهر محاكمة الخمير الحمر
على جرائم ضد الإنسانية أن الاتهامات بالاضطهاد وبالمثل التصفية
والقتل هي في القلب من جرائمهم. فقد حددت محكمة نورمبرغ ومحاكم
لاحقة الأفعال التالية بأنها تشكل عناصر اضطهاد: حرمان المرء من
حقوق المواطنة والتدريس وممارسة مهنة والحصول على التعليم والزواج
بحرية؛ الاعتقال والحجز والضرب والتشويه ومصادرة الملكية؛ الإبعاد
إلى غيتوات والعمل الاستعبادي والتصفية؛ سلب وتدمير الأعمال كوسيلة
للإرهاب أو لعلاقته بأشكال عنف أخرى؛ حرمان المرء من حقوق المحاكمة
العادلة؛ الغرامة الجماعية ومصادرة الموجودات وإنشاء غيتوات والإجبار
على وضع نجوم صفراء [التجنيد] ومقاطعة الأعمال والوعظ بالكراهية
والتحريض على القتل والتصفية.
ويتضمن نظام محكمة الجنايات الدولية
الأساسي لسنة 1998 الاضطهاد من بين قائمة جرائم ضد الإنسانية،
ويعرِّفه بأنه "حرمان جماعة أو شعب بكامله، بسبب هويتها أو
هويته، من الحقوق الأساسية، بشكل متعمد قاس مناقض للقانون الدولي".
ويحِّرم النظام "اضطهاد أي جماعة من الناس محددة أو شعب محدد
على أسس سياسية أو جنسية أو قومية أو عرقية أو ثقافية أو دينية
أو جندرية أو على أية أسس أخرى معترف عموماً بأنها محظورة وفقاً
للقانون الدولي، بالإضافة إلى أي فعل آخر أشير إليه في هذه الفقرة
[حول الجرائم ضد الإنسانية] أو أية جريمة أخرى تقع في نطاق سلطة
المحكمة القضائية". وبجب أن ترتكب الجريمة ضد الإنسانية،
طبقاً للنظام الأساسي، كجزء من "هجوم واسع أو منظم".
وإلى الآن، لم يُحمّل أحد المسؤولية
في كمبوديا إطلاقاً. فحتى رغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على
إسقاطهم وارتكاب مزيد من الفضاعات بعد ذلك بحق الشعب الكمبودي،
فإن جرائم الخمير الحمر لا توازيها جرائم أخرى. السلم والعدالة
لا ينفصلان. ولكن السلم الحقيقي لا يزال مفقوداً في كمبوديا؛ وأحد
أسباب ذلك أن ثقافة حصانة قد تطورت هناك نتيجة غياب المسؤولية
غياباً كاملاً.
جسدت نورمبرغ بلاغة التقدم. فأحكام
نورمبرغ كانت، بكلمات ربيكا وست، "نوعاً من الصلاة القانونية
تدعو أن تكون مملكة السماء معنا".
وكان من المتوقع أن لا تستجاب
تلك الصلاة. ولكن حتى رغم تجاهل الوصفات التي وضعت في نورمبرع
بتلك القسوة التي ظهرت بها خلال الخمسين عاماً الأخيرة، إلا إنها
لم تنسى. والآن، بعد إنشاء المحكمة الدولية في روما، فلربما سيتم
وضعها موضع الممارسة مرة أخرى. ففي كمبوديا وبالمثل في البوسنا
وراوندا، لا بد من التحقيق في أعمال الماضي القريب الوحشية.
ـــــــ
(انظر الإبادة).