الأبارثــيــد


ستيفن آر. راتنر*

وصف نلسون مانديلا الأبارثيد بأنه "فارق اللون الذي كثيراً ما يعيّن من هو الغني ومن هو الفقير... من يعيش في رخاء ومن يعيش في قذارة... من سيحصل على المأكل والملبس والرعاية الصحية... ومن سيعيش ومن سيموت".

كان الأبارثيد نظام التمييز والفصل العنصريين الذي حكم جنوب أفريقا من سنة 1948 إلى إلغائه في مطلع التسعينيات من القرن العشرين. فبناء على أعوام من التمييز ضد السود، تبنى الحزب القومي الأبارثيد كنموذج لتطور الأعراق المنفصل، رغم أنه لم يكن إلا للحفاظ على تفوق البيض. وقد صنف الأشخاص إما بيضاً أو بانتو (سود)، أو ملونين (عرق مزيج) أو آسيويين. وشملت مظاهره عدم الأهلية للتصويت، مناطق سكنية ومدارس منفصلة، أذونات سفر داخلي للسود، وسيطرة بيضاء على النظام القانوني.

وكجزء من جهودها التي استمرت لعقود للقضاء على هذه الممارسة، تبنت الأمم المتحدة سنة 1973 "الاتفاقية الدولية للقضاء على جريمة الأبارثيد والعقاب عليها"، وصادقت عليها 101 دولة. تصف الاتفاقية الأبارثيد بأنه جريمة يمكن أن يتحمل مسؤوليتها أفراد. وتعرف الاتفاقية الأبارثيد بأنه "سلسلة من الأفعال غير الإنسانية ارتكبت بهدف ترسيخ وصيانة سيطرة جماعة عرقية من الأشخاص على أية جماعة عرقية من الأشخاص أخرى واضطهادها بشكل منتظم". وتشمل هذه الأفعال إنكار حق الحياة والحرية، فرض شروط معاشية مصممة لتدمير الجماعة، إجراءات قانونية لمنع مشاركة الجماعة في الحياة القومية، فصل السكان على أسس عرقية، واستغلال قوة عمل الجماعة. وتعلن أيضاً أن الأبارثيد جريمة ضد الإنسانية.

وتلزم اتفاقيات جينيف الدول على اتباع سياسية غير تمييزية في معاملة المرضى والجرحى، منكوبو البحار، العسكريين والمدنيين الذين أسروا في ظل نظام الاحتلال أو من بوغتوا في نزاع. ووسم الأبارثيد أيضاً بأنه جريمة حرب في النزاعات الدولية وفقاً للبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف. ويدرج البروتوكول الأول كخروق للقانون جسيمة الأبارثيد "وممارسات أخرى لا إنسانية مهينة تشمل الاعتداء على الكرامة الشخصية، على أساس التمييز العرقي"، رغم أن هذه الممارسات تكون خرقاً جسيماً للقانون فقط أثناء نزاع مسلح دولي. ونشأ تضمين الأبارثيد كخرق جسيم للقانون عن الحملة الدولية لعزل جنوب أفريقيا، وعارضت عدة دول غربية هذا التصمين لأنه غير ذي صلة كافية بالنزاع المسلح. هذا وقد لاحظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن وجود الأبارثيد في قائمة الخروق الجسيمة للقانون لا يوسع مجال جرائم الحرب بشكل مهم لأن عديد أسوأ ممارسات الأبارثيد تعتبر جرائم حرب إن اقترفت أثناء نزاع مسلح. إلا إن بعض الأعمال التي ربما لم تكن جنائية سابقاً (رغم أنها كانت غير قانونية) أصبحت كذلك بكل وضوح عندما ضُمّن الأبارثيد- ومثال على ذلك، فصل أسرى الحرب أو المدنيين على أساس عرقي.

جرت أحدث المحاولات لتجريم الأبارثيد في إطار مسودة لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة التي تعتبر جريمة ضد الإنسانية جرماً يدعى "التمييز الممأسس"، وهو نسخة من الأبارثيد جنسية (قائم على أساس التمييز بين الأجناس)؛ وفي إطار نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية الذي يدرج الأبارثيد أيضاً في قائمة الجرائم ضد الإنسانية، معرفاً إياه جنسياً بأنه أعمال لا إنسانية "ارتكبت في إطار نظام ممأسس للاضطهاد المنظم ولسيطرة جماعة عرقية على أية جماعة، أو مجموعات، عرقية أخرى... قصد الحفاظ على ذاك النظام".

ورغم أن تعريف اتفاقية الأبارثيد (والآن محكمة الجنايات الدولية) غير محدد جغرافياً، فإن دولاً ومنظمات غير حكومية بالكاد أشارت إلى أنظمة أخرى خارج جنوب أفريقيا بأنها أنظمة أبارثيد. إن جماعات من مثل الأكراد والتاميل والسودانيين الجنوبيين، أو أية شعوب أصلية أخرى، تعاني فعلاً من التمييز المنظم الذي قد يتفق مع تعريف الأبارثيد، حتى وإن كانت تلك الممارسات تفتقر إلى جميع زخارف النموذج الجنوب أفريقي القانونية. ولكن الضحايا والمدافعين عنهم لم يستحضروا التعبير لأنه لا يزال، بلا شك، مرتبطاً بجنوب أفريقيا. وعليه، لا يزال صغيراً احتمال محاكمة أفراد محلياً أو دولياً على الأبارثيد في المستقبل القريب.


* ستيفن آر. راتنر أستاذ قانون في جامعة تكساس وكبير من كبار باحثي مؤسسة فولبرايت وباحث زميل أسر في معهد توبياس مايكل كاريل أسر في لاهاي. كتب بالاشتراك كتاب "المسؤولية تجاه جرائم حقوق الإنسان في القانون الدولي: ما بعد إرث نورمبرغ" (منشورات جامعة أكسفورد، 1977)، وهو عضو في جماعة خبراء الأمم المتحدة التي تحقق في إمكانية مقاضاة الخمير الحمر على الفظائع التي ارتكبوها في كمبوديا.

This site © Crimes of War Project 1999-2003